محمد فوزي.. رائد الموسيقى الشبابية وأول من قدم أغنية سياسية للأطفال

احتار أطباء العالم في تشخيص حالة محمد فوزي، وأصدر المستشفى الألماني الذي كان يعالج به بيانا جاء فيه أنه لم يتم التوصل لمعرفة المرض وأنه خامس شخص على مستوى العالم يصاب به

محمد فوزي أسس أول مصنع للأسطوانات في الشرق الأوسط (مصر فون) لمساعدة الاقتصاد المصري (مواقع التواصل)

بصياغة ومفردات موسيقية ولغة عصرية، استطاع الفنان المصري محمد فوزي، الذي تحل ذكرى ميلاده في 15 أغسطس/آب أن يصبح واحدا من أهم الموسيقيين في تاريخ الوطن العربي، ولم يكن نبوغ فوزي الذي ولد في عام 1918 في الموسيقى فقط، فقد كان فنانا شاملا خاض بنفس البراعة كل المجالات كالغناء والتلحين والاستعراض والتمثيل الكوميدي والتراجيدي، بجانب الإنتاج والتأليف وتجربته الرائدة كونه أول من أنشأ مصنع للأسطوانات في الشرق الأوسط والذي تم تأميمه عقب "ثورة يوليو 1952".

أسلوب فوزي المجدد في التلحين والغناء جعله محل انتقاد المشرف المختص في الإذاعة المصرية حين تقدم ليكون مطربا بها، فتم رفضه وقتها بزعم أن الأسلوب غير مألوف، وبعدها بسنوات تم إجازته كمطرب، والمفارقة أنه قدم الأغنية نفسها -التي تم رفضها- في فيلم وحققت نجاحا كبيرا وهي "كلمني طمني" والتي قدمها دون موسيقى واعتمد على الأصوات البشرية بدلا منها.

علامات النبوغ الأولى

ظهرت علامات نبوغه الأولى منذ كان طفلا، حيث ولد في قرية أبو الجندي في مركز طنطا بمحافظة الغربية، ونال الشهادة الابتدائية من مدرسة طنطا، ولكنه تأثر بتعلمه المبكر لآلة العود، فوالده كان عاشقا للموسيقى وكان أيضا يجيد العزف على العود لكنه لم يحترف الفن، فلم يخرج الأمر من نطاق الأصدقاء، فنشأ فوزي بين أصدقاء والده من محبي الفن، وقد تعلم الموسيقى على يد محمد الخربتلي، الذي كان يصحبه للغناء في الموالد والليالي والأفراح.

وتأثر فوزي في تلك المرحلة بأغاني محمد عبد الوهاب وأم كلثوم وكان يقدم أغانيهما في احتفالات المدينة بمولد السيد البدوي، لكن كل ذلك لم يشبع طموحه الفني فقرر الانتقال إلى القاهرة للالتحاق بمعهد الموسيقى العربية، وقد واجه رفض والده للفكرة، إلا أن والدته كانت تساعده بإرسال مصروف شهري، وبعد فترة قرر أن يعتمد على نفسه بالكامل من خلال العمل في الفرق الفنية.

فشل في مسرح سيد درويش

لم يكن طريق محمد فوزي ممهدا، بل واجه الفشل في بدايته حين حل بديلا للمطرب إبراهيم حمودة في مسرحية لسيد درويش، فتم الاستعانة به بدلاً منه، فلم يكن فوزي مستعدا بشكل كاف ولم يكن قد كوّن بعد هويته الخاصة في الغناء، فلم يحقق النجاح المتوقع له إلا أن فشل تجربته لم يثنه عن استكمال طريقه في الغناء.

السينما الغنائية

أسهمت السينما في تأريخ أعمال محمد فوزي الغنائية، حيث كان صاحب النصيب الأكبر من الأفلام الغنائية بـ37 فيلما بدأها حين اكتشفه الفنان يوسف وهبي الذي كان يبحث عن فنان لتقديم دور صغير في فيلم "سيف الجلاد" في عام 1944، وكان فوزي في تلك المرحلة يعمل في فرقة بديعة مصابني.

صغر الدور لم يمنع فوزي من الانطلاق بعدها في عالم التمثيل بجانب الغناء فقدم بعدها بعام البطولة مناصفة مع أنور وجدي ومديحة يسري في فيلم "قبلة في لبنان"، وجاءته البطولة المطلقة بعدها في فيلم "مجد ودموع" أمام نور الهدى، وبعدها شارك نجمات السينما العربية في هذا الوقت في الأفلام مثل فاتن حمامة وصباح وسامية جمال وفايزة أحمد وليلى فوزي وليلى مراد وكون ثنائيا سينمائيا مع الفنانة مديحة يسري التي تزوجها وأنجب منها ابنه عمرو محمد فوزي الذي توفي شابا في حادث أليم.

نجاح فوزي السينمائي جعله يفكر في أن يخوض تجربة الإنتاج بـ16 فيلما منها "العقل في إجازة" وكان أول من قدم الفنانة شادية سينمائيا في الفيلم، و"حب وجنون" و"الروح والجسد" و"فاطمة وماريكا وراشيل" وكذلك "صاحبة الملاليم" و"المجنونة" و"غرام راقصة"، وأيضا "يا حلاوة الحب" و"فاعل خير"، كما قام بتأليف أفلام "كل دقة في قلبي" و"معجزة السماء" و"من أين لك هذا".

أول فيلم ملون

ومن خلال شركة الإنتاج السينمائي التي أسسها قام بتجربة تلوين فيلمين هما (الحب في خطر) و(نهاية قصة) لكن لسوء حظه احترق الفيلمان أثناء وصولهما من فرنسا إلى مصر وبقيت النسخ الأبيض والأسود، وهو ما تسبب له في خسائر فادحة.

رائد الموسيقى الشبابية

اتسمت ألحان محمد فوزي بالبساطة والعمق في الوقت نفسه، فكان حريصا على دمج الإيقاعات الشرقية إلى جانب الغربية أيضا، سواء الألحان التي غناها بنفسه أو التي قدمها لمطربين آخرين.

لقبه الموسيقيون الكبار في عصره بأنه "رائد الموسيقى الشابة والمتجددة"، ومن أهم أغانيه "داري العيون" و"حبيبي وعنيا" و"شحات الغرام" و"طير بينا يا قلبي" و"مال القمر ماله" و"تملي في قلبي" و"راح توحشيني"، وقدم اللون الفرانكو في أغنية "يا مصطفى".

أغنية سياسية للأطفال

كان فوزي أبا حنونا يحب أبناءه ولا يبتعد عنهم رغم انفصاله مرتين سواء من زوجته الأولى السيدة هداية عبد المحسن، والتي أنجب منها نبيل وسمير ومنير، وابنه عمر من الفنانة مديحة يسري والتي انفصل عنها أيضا، ثم ابنته الوحيدة إيمان من زوجته كريمة والتي عرفت بـ"فاتنة المعادي"، وبروح الأب وحبه للأطفال كان أول من اهتم بتقديم أغنيات للأطفال، فلحن وغنى "ماما زمانها جاية" و"ذهب الليل"، كما قدم أول أغنية سياسية للأطفال وهي (كان وإن) التي تحدث من خلالها عن "ثورة يوليو" 1952 وتأميم قناة السويس.

دعم الثورة الجزائرية

اهتم بتقديم الأغنيات الوطنية مثل (بلدي أحببتك يا بلدي) و(النصر لمصر)، ولحّن النشيد الوطني للجزائر (قسما) من كلمات شاعر الثورة الجزائرية مفدي زكريا والذي تم اعتماده رسميا في 1963، بعد استقلال الجزائر، وقد قامت وزارة الثقافة هناك بإطلاق اسم محمد فوزي على معهد الموسيقى العربية هناك تكريما له.

لم يكن الفنان المصري المرشح الأول لتلحين النشيد، فقد قام الملحن التونسي محمد التريكي في البداية بتقديم لحن للقصيدة وقام بتقسيمها لعدة أبيات فوجد المسؤولون عن الفكرة صعوبة أن تصل للجمهور، فاتصل مفدي زكريا بإذاعة صوت العرب وتم ترشيح محمد فوزي الذي رفض تقاضي مقابل مادي واعتبر الأمر مساندة ودعما للثورة الجزائرية.

أول مصنع أسطوانات

موهبة محمد فوزي لم تقف عند التمثيل والغناء، بل كان يسخّر كل إمكانياته من أجل الفن، وكان أيضا يتسم بالذكاء في الإنتاج والتجارة، فكان يقوم بإحضار معدات من هولندا لتسجيل أغنياته، ثم طبعها في اليونان، فشعر بأن هناك عملة حرة يمكن الاستفادة بها في مصر، وهو ما دفعه لأن يفكر في تأسيس أول مصنع للأسطوانات في الشرق الأوسط (مصر فون) لمساعدة الاقتصاد المصري، وبعد "ثورة يوليو" تم تأميم المصنع وقد أصيب بعدها بمرض نادر وتدهورت حالته الصحية حيث انخفض وزنه بشكل خطير حيث وصل إلى 36 كيلوغراما.

أنت من عند ناصر

رغم انتشار شائعات عن اضطهاد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر لمحمد فوزي وتسببه في مرضه، فإن محمد فوزي في لقاء إذاعي نادر بعد تأميم شركته تحدث عن رحلة علاجه في عدد من الدول كالولايات المتحدة وإنجلترا وألمانيا، ووجه الشكر لعبد الناصر ولرجال الحكومة المصرية، وقال في اللقاء "خُطب الريس كنا بنسمعها (نسمعها) كلها، فالأجانب مبيقولكش (لا يقولون) أنت من مصر. لا بيقولك (لا.. بل يقولون) أنت من عند ناصر".

مرض محمد فوزي

احتار أطباء العالم في تشخيص حالة محمد فوزي، وأصدر المستشفى الألماني الذي كان يعالج به بيانا جاء فيه أنه لم يتم التوصل لمعرفة المرض وأنه خامس شخص على مستوى العالم يصاب به، وهو ما دفع الطبيب الألماني المعالج له بأن يطلق على مرضه اسم مرض "محمد فوزي".

وقد حصلت زوجته الفنانة كريمة على دورة في التمريض لتتمكن من مساعدته حيث شاركته معاناته في المرض، وكانت كذلك حريصة على دعمه نفسيا في الأشهر الأخيرة من حياته.

تنبأ بوفاته قبل ساعات

قبل وفاته بساعات كتب محمد فوزي رسالة تنبأ خلالها برحيله وكشف عن الآلام التي تعرض لها، فقال: إن الموت علينا حق، إذا لم نمت اليوم سنموت غدًا، وأحمد الله أنني مؤمن بربي، فلا أخاف الموت الذي قد يريحني من هذه الآلام التي أعانيها، فقد أديت واجبي نحو بلدي، وكنت أتمنى أن أؤدي الكثير، ولكن إرادة الله فوق كل إرادة، والأعمار بيد الله، لن يطيبها الطب ولكني لجأت إلى العلاج حتى لا أكون مقصرًا في حق نفسي وفي حق مستقبل أولادي الذين لا يزالون يطلبون العلم في القاهرة، تحياتي إلى كل إنسان أحبني ورفع يده إلى السما من أجلي.. تحياتي لكل طفل أسعدته ألحاني.. تحياتي لبلدي.. أخيرًا تحياتي لأولادي وأسرتي، لا أريد أن أُدفن اليوم، أريد أن تكون جنازتي غدًا الساعة 11 صباحًا من ميدان التحرير، فأنا أريد أن أُدفن يوم الجمعة".

وقد توفي بعدها بساعات قليلة قي 20 أكتوبر/تشرين الأول 1966 عن عمر 48 عاما.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

الفنانة المصرية شريهان - lلمصدر: صفحتها على انستغرام

“الاهتمام بالتفاصيل يصنع حدثا عظيما، وهذه مسؤولية كل إنسان وبالأخص الفنان”، بهذا علقت الفنانة المصرية شريهان في “إنستغرام” على الصور التي تنشرها للمرة الأولى بأزياء العرض المسرحي “كوكو شانيل”.

Published On 20/7/2021
المزيد من موسيقى وغناء
الأكثر قراءة