يوسف إدريس.. عبث بالسلطة وسخر من عبد الناصر

في عام 1961 كتب إدريس "العسكري الأسود" التي هاجمت المعتقلات في زمن عبد الناصر

أثار إدريس جدلا كبيرا بعد فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل للآداب ورأى أن موقفه المعارض للسلام مع إسرائيل جعل الجائزة تذهب لمحفوظ المؤيد لكامب ديفيد (مواقع التواصل)
أثار إدريس جدلا كبيرا بعد فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل للآداب ورأى أن موقفه المعارض للسلام مع إسرائيل جعل الجائزة تذهب لمحفوظ المؤيد لكامب ديفيد (مواقع التواصل)

القاهرة- "الطريقة خاطئة، والفكرة من أولها خاطئة، والخطأ ممتد وبادئ من اللحظة التي قرر فيها أن يحيل عملية الاستكشاف إلى عملية استئصال كبرى، بل الخطأ يمتد إلى ما هو أبعد، إلى ذلك اليوم الذي أصبحت الجراحة عند أستاذه تزاول من أجل الجراحة، وأصبحت العمليات وأصحابها -وهم غالبا من الفقراء الذين بلا حول- ميدانا لإثبات القدرة والأستاذية".

الفقرة السابقة من قصة "العملية الكبرى" للكاتب الكبير يوسف إدريس، قد تبدو للوهلة الأولى قصة أخرى من عالم الطب الذي أجاده بحكم دراسته وعمله لسنوات طبيبا، لكن بالنظر لكاتبها نفسه وزمن كتابتها وظروف نشرها يمكن للقارئ أن يدرك أن ثمة معاني خفية خلف هذه "العملية الكبرى"، فهل يرمز إدريس بهذه القصة إلى نكسة "يونيو/حزيران 1967″؟

ولا يظن الناقد الدكتور جابر عصفور أن هناك قضية شغلت وعي يوسف إدريس -الذي تحل ذكرى وفاته اليوم في 1 أغسطس/آب 1991- في الكتابة مثل قضيتي الحرية والديمقراطية، لكن كان عليه أن يناور ويراوغ في الكتابة بمجالات متعددة، استطاع أن يقول ما لم يقله غيره، سواء في قصصه ورواياته.

نكسة يونيو

ويرى عصفور -في مقال بمجلة العربي- أن البداية البارزة كانت هزيمة 1967، ولأنه لم يكن من الممكن أن يعبر عن مشاعره مباشرة، فقد قرر مثلا أن يكتب قصته القصيرة "العملية الكبرى" (تم نشرها ضمن مجموعته القصصية "النداهة")، وهي ما يعتبرها عصفور "قصة قصيرة رمزية ترمز إلى نكسة يونيو، قصة ذات طابع رمزي، بلاغتها في مجازتها، وتميزها يرجع إلى قدرتها على أن تنطق المسكوت عنه مما حدث في عام 1967 عندما حدثت الكارثة غير المتوقعة".

وقد لا يلاحظ القارئ العادي الرمز في هذه القصة التي تحكي عن طبيب الامتياز الشاب عبد الرؤوف الذي يساعد أستاذ الجراحة الشهير أدهم (كبير أساتذة الجراحة في المستشفى) في عملية جراحية بسيطة لسيدة عجوز، لكن سرعان ما تتطور الأحداث عندما يرتكب الطبيب الكبير خطأ وتتفجر الدماء من شرايين المريضة، ولا يجرؤ أحد من المساعدين أو الممرضات على سؤال أدهم عن الخطأ الذي ارتكبه أو القرارات المتسرعة التي يتخذها، حتى أخفى أدهم خطأه القاتل بحيلة طبية، ويدرك الجميع أن المريضة ستموت لا محالة، ويخيب ظن التلميذ في أستاذه العظيم.

لكن الناقد الكبير عصفور يرى أن القصة من أولها لآخرها سخرية من الدكتور أدهم (يرمز إلى الرئيس جمال عبد الناصر)، والوضع الكارثي الذي وضع فيه الشعب الذي وثق به كل الثقة، فمنحه توكيلا كاملا أدى إلى كارثة (نكسة يونيو/حزيران)، فهل كانت عملية كبرى أم كارثة كبرى أدى إليها الغرور والجهل وسوء التقدير؟

رواية "العسكري الأسود" للروائي يوسف إدريس (مواقع التواصل)

حرب السويس

وظلت السياسة تحتل جانبا مميزا دائما في أدب إدريس، وهو يأخذ النقاشات السياسية والحروب الكبرى إلى مستوى الشارع والناس البسطاء بأسلوب مباشر عندما لا يكون هناك خطر في الصدام مع السلطة.

في قصته "هي هي لعبة" (ضمن مجموعة قاع المدينة) يحكي قصة مشاجرة بين أسرتين في حي شعبي، بسبب أن أحد الأطفال ضرب طفلا آخر أثناء لعبه في الشارع "لعبة الكنال" (يقصد قناة السويس)، حيث يمثل فيها الأطفال الجيش المصري والأسطول الإنجليزي، لكن أحد الأطفال يثور ويرفض التسليم خلال اللعب حتى لا يستولي الإنجليز على القناة، والقصة كلها تشير إلى تأثر جموع الشعب المصري بحرب السويس أو العدوان الثلاثي على مصر في نوفمبر/تشرين الثاني 1956.

في نفس المجموعة القصصية كتب إدريس أيضا قصة "الجرح" عن المصريين الذين قاتلوا الإنجليز في بورسعيد، في أعظم معركة فدائية بين الشعب المصري وأعدائه، فقال "قليلون هم من أتيحت لهم الفرصة، فالمعركة كانت حادة وباترة، نشبت فجأة، وانتهت فجأة، ولم تستمر سوى أسبوع وكأنها طعنة خنجر، حتى أصبح في نظرنا البطل هو من كان هناك والمقدس هو من اشترك فيها، كل من اشترك فيها يحف به في نفوسنا نوع من التقديس وكأنه أسطورة.. كل قاطن هناك لا بد وأنه اشترك، وكل قاطن بطل، وكل واحد قتل من الأعداء مئات..".

ويحكي عن الأم التي تبحث عن ابنها الفدائي الذي جرحه الإنجليز "تريد أن تتبين ما حدث له من تغيير، وكيف أمكن لابنها الذي ربته ورأته طفلا، كيف أمكنه أن يحمل السلاح ويحارب، وتريد فوق كل هذا أن تطمئن إلى أنه لا يزال ابنها حتى بعد أن حارب كالرجال وحمل السلاح".

الكتابة الرمزية والجرأة

عام 1961 كتب إدريس "العسكري الأسود" التي هاجمت المعتقلات في زمن عبد الناصر، وفي عام 1969 نشر في جريدة الأهرام قصة "الخدعة" التي فسرها البعض بأنها تسخر من الحضور الطاغي المخيف لجمال عبد الناصر، ورمزت له القصة برأس جمل يظهر للبطل في كل مكان، فتم فصل إدريس من الأهرام ولم يلبث أن عاد إليها.

ويرى عصفور -في مقال بجريدة الأهرام- أن الجرأة كانت من أهم الصفات التي يتميز بها يوسف إدريس في الكتابة أو في الحياة العامة، فهو لم يكن يستطيع أن يكتم رأيا، لكنه كان يلجأ أحيانا إلى الكتابة الرمزية ليعبر عن رفضه بعض سياسات الدولة التي لم يكن يقتنع بها أو يرضى عنها.

العبث بالسلطة

كما كان إدريس واحدا من أكثر المثقفين معارضة لاتفاقية "كامب ديفيد"، فنشر كتابه المثير للجدل "البحث عن السادات" عام 1983، وتوالت ردود الفعل المهاجمة له، ومنعت الأهرام نشر ردود إدريس على مهاجميه، حتى أن الرئيس مبارك ألمح في خطاب له بالإساءة إلى الكاتب الكبير، فنشر إدريس خطابا موجها إلى مبارك بعنوان "أشكو إليك منك".

في حوار صحفي، يقول إدريس إن السلطة لم تعبث به أبدا، بل العكس هو الصحيح "فقد عبثت بالسلطة كثيرا، وقضية أن يعبث كاتب معروف بالسلطة ليست سهلة، فحين يبلغ كاتب درجة معينة من الشهرة والوجود العام ينظر إلى كلماته بميكروسكوبات دقيقة، وأن يستطيع الكاتب النفاذ إلى الحقيقة وإلى قول رأيه من خلال تلك المرشحات عملية تستدعي منه كل ما يمتلك من قوة وذكاء وخيال".

من الطب إلى الصحافة

ويعد إدريس من أهم الأدباء المصريين، ولد في قرية بمحافظة الشرقية في 19 مايو/أيار 1927، تخرج في كلية الطب بجامعة القاهرة عام 1951، وشارك في المظاهرات ضد الإنجليز خلال دراسته فسجن، ونشر عام 1954 أولى مجموعاته القصصية "أرخص ليالٍ".

ترك الطب عام 1960 وعمل في الصحافة، وتوالت أعماله بين المسرحيات والقصص القصيرة والروايات، وتحولت كثير منها لأفلام سينمائية شهيرة، مثل "الحرام"، و"العيب"، و"النداهة"، وأثار جدلا حول استخدامه اللهجة المصرية الدارجة (العامية) في الحوار بقصصه، كما اشتهر بمقالاته السياسية في أهم الصحف المصرية، مما جعل علاقته بالسلطة الحاكمة دائما بين شد وجذب.

أثار إدريس جدلا كبيرا بعد فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل للآداب، حيث رأى أنه أكثر استحقاقا منه، لكن موقفه المعارض للسلام مع إسرائيل جعل الجائزة تذهب لمحفوظ المؤيد لكامب ديفيد.

المصدر : الجزيرة + مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

بدأ فريد شوقي مسيرته بالسينما عام 1946 في فيلم “ملاك الرحمة” من إخراج يوسف وهبي، ثم قدم “ملائكة في جهنم” عام 1947 مع المخرج حسن الإمام، لينطلق ليكون أحد أهم ممثلي الخمسينيات والستينيات.

30/7/2021
المزيد من فن
الأكثر قراءة