في عالم "الشهد والدموع".. أسامة أنور عكاشة مؤلف أصبح بطل مسلسلاته

عكاشة: يحاول الكاتب أن يكون موضوعيا ولكن ليس دوره أن يكون مؤرخا فالكاتب شاهد يدلي بشهادته (مواقع التواصل)
عكاشة: يحاول الكاتب أن يكون موضوعيا ولكن ليس دوره أن يكون مؤرخا فالكاتب شاهد يدلي بشهادته (مواقع التواصل)

القاهرة- جرت العادة أن تنسب المسلسلات التلفزيونية إلى أبطالها من كبار النجوم، حتى جاء أسامة أنور عكاشة فغير القاعدة، وصار الكاتب الملحمي الذي ينسب إليه المسلسل قبل اسم مخرجه أو أسماء أبطاله، لا سيما أن أهم مسلسلاته ضمّت كبار الفنانين وتركزت على موضوعات مختلفة وأجيال متعاقبة، يجمع بينها اسمه.

النشأة

ويعدّ عكاشة -الذي تحل ذكرى ميلاده في 27 يوليو/تموز 1941- نفسه فلاحا، نشأ في كفر الشيخ، وقضى مدة طويلة من حياته في القاهرة، فتعرف على كل البيئات الاجتماعية.

ويرى عكاشة -في لقاءاته التلفزيونية السابقة- أن "ذكاء الكاتب مهم جدا، وكذلك قدرته على الاختزان واستدعاء ما يريد من ذاكرته وقت الحاجة، وهذه أهم ميزات الكاتب، فضلا عن الصدق، وارتباط المشاهد بالشخصية الدرامية، أن يقول المشاهد إنه يعرف هذه الشخصيات، المهم أن تتكلم الشخصية بلسانها، ولا تتكلم بلغة المؤلف، الكاتب يختفي وراء شخصياته، لا يفرض لغته أو رأيه".

ولهذا أجاد عكاشة كتابة الشخصيات من مختلف الطبقات الاجتماعية، خصوصا في مسلسلاته التي تناولت طبقات مختلفة مثل "ليالي الحلمية" و"زيزينيا".

 

بين الأدب والتلفزيون

بدأ عكاشة الكتابة الأدبية في ستينيات القرن الماضي، ثم اتجه إلى الكتابة للتلفزيون في السبعينيات، ويفرق بين معرفة أهل الوسط الفني به، وشهرته لدى الجمهور التي بدأت بمسلسل "الشهد والدموع" الذي كتبه عكاشة في جزء واحد، ولكن المشاكل الإنتاجية جعلت العمل جزئين، وتخوف يومئذ المنتج من رفض عرض المسلسل بسبب ما فيه من سياسة، وانتهى من تصوير 16 حلقة وعرضها في جزء أول، وبعد نجاحها أنتج جزءا ثانيا.

وتمنى عكاشة أن ينتهي من مشروعه في الدراما التلفزيونية ليتفرغ لإنتاجه الأدبي، وكان ينشر عددا من القصص من حين إلى آخر مثل "أحلام في برج بابل" و"منخفض الهند الموسمي" و"سوناتا لتشرين".

السينما

كان مقلًّا في أعماله المكتوبة للسينما، يركز جهده الأساسي في التلفزيون، بين حين وآخر تأتيه فكرة ليعالجها سينمائيا، كما أن ظروف السينما في أيامه لم تشجعه، ورأى أن السبب الرئيس هو سيطرة الموزع الأجنبي على مقدرات الفيلم المصري، وأنه لكي تعود صناعة السينما لا بد من تغطية تكاليفه من التوزيع الداخلي.

وكتب عكاشة أفلاما سينمائية معدودة أهمها "كتيبة الإعدام" و"الهجامة" و"دماء على الأسفلت"، إلى جانب مسرحياته مثل "الناس اللي تحت" و"البحر بيضحك ليه".

خلافات مع الزعيم

واشتهر عكاشة بحرصه الشديد على ما يكتبه، ورفضه فرض وجهات نظر لا يتفق معها حتى لو جاءت من كبار الفنانين، مثل خلافه مع الفنان عادل إمام الذي كتب له عكاشة مسلسل "أرابيسك"، ولكن رفض عكاشة لملاحظات إمام على القصة والسيناريو جعل دور البطولة يذهب إلى صلاح السعدني.

كذلك اختلف عكاشة مع المخرج جمال عبد الحميد، رغم نجاحهما معا في الجزء الأول والثاني من مسلسل "زيزينيا"، فاستاء عكاشة من بعض التغييرات التي أدخلها عبد الحميد على الجزء الثاني، وبذلك تعطل تنفيذ الجزء الثالث الذي انتظرته الجماهير طويلا، حتى بات من الصعب تنفيذه.

الزمان والمكان والشخصيات

ويحكي عكاشة في حوار تلفزيوني أنه مدين للمكان والزمان والشخصيات، وكل هذا أثر في كتابته للتلفزيون، فالمكان يفتنه، يألفه ويحبه ويشاهده جيدا، ويقول إنه لم يترك مكانا في مصر لم يزره، سواء من خلال وظيفته وعمله في الحكومة، أو بحثه عن القصص والمشاهد.

ومنذ كان طفلا كان يراقب الشخصيات باهتمام شديد، يحاول تقليدها في لعبه، ينسج لكل شخصية حوارا من خياله، وذلك كوّن لديه مخزونا اجتماعيا استدعاه في كتاباته.

وعن حي "الحلمية" يقول إنه عاش فيه خلال دراسته الجامعية، وأحب كثيرا من شخوصه، وأعجب بالتطور الاجتماعي للحي وعبق الماضي واقترانه بأنفاس الحاضر.

أما عن الإسكندرية، فيقول إنه يعشق البحر، ويكتب عن المدينة باستمرار، كمسلسل "ضمير أبلة حكمت"، ولم يكن من الضرورة أن تدوره أحداثه في الإسكندرية لكنه اختارها لأنه يحبها، بيد أن المدينة نفسها كانت ضرورة في مسلسلات أخرى مثل "الراية البيضاء" و"النوة".

وفي مسلسل "زيزينيا" لا يمكن تخيل الأحداث في مكان آخر أو زمن آخر، هذه مدينة "بشر عامر عبد الظاهر" (يحيي الفخراني) الذي تشتت بين جذوره الإيطالية والمصرية العريقة، بين حي "زيزينيا" الأرستقراطي وحيكرموز الأصيل، في مدينة عامرة بالإيطاليين واليونانيين الذين يعيشون كأهل مصر، والإنجليز المحتلين للمدينة المهددة بغزو الألمان الذين يقتربون بسرعة من الغرب.

التأثر بأدب نجيب محفوظ

وفي حوار تلفزيوني، يسأله الشاعر فاروق شوشة عن اتجاهه نحو دراما الأجيال، التي جعلت النقاد يقارنون مسلسلاته بالثلاثية لنجيب محفوظ، وما بينها من العشق لمصر واختيار أحياء  بعينها، والعكوف على نماذج وشخصيات محددة، يجيب عكاشة أنه انبهر بعالم الثلاثية الخصب الغني، فهو تلميذ تخرج في مدرسة محفوظ، و"بقدر ما يتمتع التلميذ من أصالة أو قدرة على الخصوصية يكون ابتعاده أو قربه، أعتقد أن التشابه وبصمات محفوظ أثرا في فهمي للحارة المصرية".

 

لا حياد في الفن

ويقول عكاشة إنه قارئ نهم للتاريخ، وفي كتابته هو محكوم بما يقرؤه ويسمعه، أو أن يعيش التاريخ ويدلي بشهادة عما عاصره ورآه بنفسه.

ففي "ليالي الحلمية" تنوعت معلوماته بين ما قرأه مثل فترة ثورة يوليو/تموز، أو اعتمادا على حكايات الأهل، ثم ما عايشه من أحداث في الخمسينيات، إذ كان شاهدا ومراقبا.

ويرى عكاشة أنه لا حياد في الفن، أي إن اختيار الكاتب يتضمن موقفا، فالكاتب موقف والفنان موقف، والفن هو إعادة صياغة الواقع من خلال ذات الفنان، وشهادته متأثرة بثقافته وأهوائه الشخصية، والكاتب يحاول أن يكون موضوعيا، لكن ليس دوره أن يكون مؤرخا، الكاتب شاهد يقول شهادته، قد تتفق معها أو تختلف.

ويُعدّ أسامة أنور عكاشة أهم من كتب الدراما التلفزيونية العربية، وحققت أعماله شعبية هائلة ولا تزال القنوات الفضائية تعيد عرضها، ومن أشهر أعماله مسلسلات: "ليالي الحلمية"، و"الشهد والدموع"، و"ضمير أبلة حكمت"، و"رحلة أبو العلا البشري"، و"امرأة من زمن الحب".

المصدر : الجزيرة + مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

مثلما نجح أحمد زكي في تجسيد الأدوار التاريخية وسِير المشاهير، نجح كذلك في تأدية الشخصيات الشعبية مثل العامل والفلاّح، نتتبّع شخصيات شعبية لا تزال حيّة في ذاكرة المشاهدين الذين أحبّوا “نمرهم الأسود”.

9/3/2021
المزيد من فن
الأكثر قراءة