في ذكرى نكسة يونيو..كيف غيرت الهزيمة السينما المصرية؟

حاول صناع السينما تناسي النكسة والسنوات الحزينة بأفلام كوميدية وجريئة لا سيما في العامين التاليين للعام 1967.

أنتج فيلم "شنبو في المصيدة" بناء على توجيهات الرئيس جمال عبد الناصر (مواقع التواصل الاجتماعي)
أنتج فيلم "شنبو في المصيدة" بناء على توجيهات الرئيس جمال عبد الناصر (مواقع التواصل الاجتماعي)

بينما يسود الغضب الشارع المصري نتيجة حالة اللاسلم واللاحرب بين مصر وإسرائيل وانتظار طال لحرب ساحقة للثأر من هزيمة يونيو/حزيران 1967؛ خرج فيلم "خلي بالك من زوزو" لصالات السينما عام 1972، ليحقق نجاحا ساحقا تردد صداه بين من يبحثون عن ساعتين من المتعة على شاشة السينما، أو المثقفين الغاضبين من صلاح جاهين مؤلف الفيلم ومن بطليه سعاد حسني وحسين فهمي ومخرجه حسن الإمام.

هاجم النقاد الشاعر الكبير صلاح جاهين، ولم يرحب المثقفون بتحوله من شاعر الوطنية إلى شاعر "زوزو ألماظية" (اسم الراقصة في الفيلم)، فكيف تجرأ المثقف الناصري أن يقدم فيلما استعراضيا في هذه الظروف وكيف يمكن لسعاد حسني أن تلهي شعب مصر برقصاتها؟

لم يكن "خلي بالك من زوزو" وحده هو الفيلم الذي يحقق نجاحا ساحقا في ظروف عصيبة، فقد سبقه بـ3 أعوام فيلم "أبي فوق الشجرة" للعندليب الأسمر عبد الحليم حافظ ونادية لطفي وإخراج حسين كمال، والذي تضمن مشاهد جريئة جذبت الجمهور، ورفعت من سقف الحرية المسموح بها على شاشة السينما، بل وجعلته فيلما من الصعب عرضه تلفزيونيا لسنوات طوال.

والملاحظ أن صناع السينما حاولوا تناسي النكسة والسنوات الحزينة بأفلام كوميدية وجريئة لا سيما في العامين التاليين للعام 1967، لدرجة أن الفيلم الكوميدي "شنبو في المصيدة" يقال إنه تم إنتاجه بناء على توجيهات الرئيس جمال عبد الناصر نفسه؛ حيث طلب من الإعلام ألا يظل حزينا قابعا في ذكريات النكسة، وأن يبث البهجة في الجمهور، وهكذا تم تكليف الكاتب الساخر أحمد رجب باختيار فكرة كوميدية قدمها مع فؤاد المهندس وشويكار في مسلسل إذاعي تم إنتاجه فيلما سينمائيا أيضا عام 1968.

كان هذا الفيلم جواز سفر مرور مجموعة من الأفلام الكوميدية التي تم إنتاجها في ظاهرة سماها النقاد بالهروب من الواقع المرير، فشهدت دور السينما عرض أفلام "حواء والقرد" و "كيف تسرق مليونيرا" و"حكاية 3 بنات" و"لصوص لكن ظرفاء" و"أرض النفاق".

ثلاثية شاهين

استغرق المخرج يوسف شاهين سنتين لاستيعاب النكسة، وما إذا كانت مجرد هزيمة عسكرية أم كانت أكبر من ذلك، ثم قدم رؤيته عن النكسة والهزيمة وأسبابها في المجتمع.

وفي عام 1970 قدم يوسف شاهين أول أفلام ثلاثيته عن النكسة، وهو فيلم الاختيار، وفي فيلمه المثير للجدل "العصفور" (من إنتاج 1972) قدم فيه خطاب التنحي والاستعدادات العسكرية في سيناء، ورمز فيه لمصر عبر شخصية "بهية" التي تجتمع ببيتها فئات مختلفة من الشعب المصري.

وقد صنعت أغنية أكتوبر الشهيرة "رايحين شايلين في إيدنا سلاح" لهذا الفيلم؛ من أجل حث السلطة على الحرب، وتم منع عرض الفيلم لمدة عامين لمهاجمته ثورة يوليو والفساد الذي أدى للنكسة، وتم السماح بعرضه عقب نصر أكتوبر.

كما يحكي برنامج "خارج النص" -على قناة الجزيرة في حلقة فيلم العصفور- أن الرقابة لم تعترض سوى على جمل بسيطة في الفيلم، لكنها رأت أن الفيلم يسيء لسمعة مصر، وجاء قرار المنع من وزير الثقافة يوسف السباعي الذي هدد بحرق النسخة الأولى للفيلم، كما تم اتهام صناع الفيلم بتلقي أموال من الخارج؛ حيث كان إنتاجا مشتركا مع الجزائر.

أما فيلم "عودة الابن الضال" (1976) فقد كتبه يوسف شاهين مع صلاح جاهين، وقدم فيه رؤيته للشباب المطالب بتناسي أحداث النكسة والاستمرار في تحقيق أحلامهم، وغنت فيه ماجدة الرومي "الشارع لمين..الشارع لنا..احنا لوحدنا..الناس التانين مش مننا".

أغنية على الممر

بعد نحو 5 سنوات من النكسة؛ عرض فيلم "أغنية على الممر"، وهو أحد أهم الأفلام التي قدمت نكسة يونيو من خلال عيون الجنود المصريين، وقد أخرجه علي عبد الخالق ولعب بطولته محمود مرسي، مقدما الهزيمة وإصرار الجنود على القتال؛ حيث يتم احتجاز مجموعة من الجنود في ممر جبلي.

ويحكي مخرجه أن الفيلم كلف 19 ألف جنيه، ودعمه الجيش بـ15 ألف جنيه، وخلال عرضه كانت سيارات الإسعاف تتواجد بجانب دور العرض بسبب حالات الإغماء لتأثر الجمهور.

أفلام جادة وجريئة

كما شهدت السنوات التي تلت النكسة إنتاج عدد من أهم أفلام في تاريخ السينما المصرية، أبرزها "شيء من الخوف" و"الأرض" و"البوسطجى" و"يوميات نائب فى الأرياف" و"قنديل أم هاشم" و"اللص والكلاب"، و"ثرثرة فوق النيل" و"غروب وشروق".

لكن الغريب أن السينما لم تكتف بالكوميديا، بل قدمت أيضا محتوى جريئا لا يناسب ظروف البلد التي تخوض حرب الاستنزاف، فجاء فيلم "أبي فوق الشجرة" للمخرج حسين كمال وبطولة عبد الحليم حافظ ليحقق نجاحا جماهيريا ساحقا، وكأن الجمهور يهرب من ذكريات الهزيمة في ظلام قاعة السينما.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

اعتاد العرب في 15 مايو/أيار من كل عام إحياء ذكرى ضياع فلسطين وقيام إسرائيل على إنقاضها. وبعد مرور أكثر من سبعة عقود، تمر ذكراها هذا العام وسط تساؤلات عن المآلات لما كانت يوما ما تسمى قضية العرب.

15/5/2021
المزيد من فن
الأكثر قراءة