رغم إبداعاتهم.. مخرجون خارج حسابات السوق السينمائي

لقطة من فيلم "أحلى الأوقات" للمخرجة هالة خليل، التي اهتمت بتقديم النماذج النسائية بصورة مختلفة (مواقع التواصل)
لقطة من فيلم "أحلى الأوقات" للمخرجة هالة خليل، التي اهتمت بتقديم النماذج النسائية بصورة مختلفة (مواقع التواصل)

تغير المناخ الفني في مصر في السنوات الأخيرة، أطاح بعدد كبير من المخرجين المبدعين، ليصبحوا مجبرين على أن يكونوا خارج الكادر السينمائي، وعلى الرغم من تاريخهم الفني الثري؛ إلا أن إنتاجهم السينمائي قليل مقارنة بقيمة ما يقدمونه.

أسماء مثل داود عبد السيد ويسري نصر الله والمخرج محمد أمين وأحمد عبد الله ومجدي أحمد علي وغيرهم، ساهمت في تقديم أفلام تحمل أبعادا فكرية وإنسانية وحالة من الإبداع على مستوى الكتابة والصورة والإخراج أيضا؛ إلا أنهم في السنوات الأخيرة أصبحوا خارج حسابات السوق، حتى في ظل انتعاش السينما.

سيناريوهات حبيسة الأدراج

منذ عام 2015، قدم المخرج داود عبد السيد آخر أعماله السينمائية "قدرات غير عادية"، ورغم أنه من أهم المخرجين في مصر والوطن العربي؛ لكن أحلامه السينمائية ما تزال حبيسة الأدراج، بحسب تصريحاته في الأعوام الماضية من خلال اللقاءات التي يجريها، فحين يسأل عن سر غيابه يؤكد داود بأنه يمتلك أكثر من سيناريو ومشروع عن موضوعات وقضايا مختلفة؛ لكن لا يجد جهة إنتاجية متحمسة لظهوره إلى النور.

عزوف المنتجين عن "فيلسوف المخرجين" يثير العديد من علامات الاستفهام، خاصة أن أفلامه اعتادت أن تحقق نجاحا جماهيريا بجانب قيمتها الفنية والفكرية، فيعترف داود في لقاء له بأحد الصحف المصرية بأنه لا يقدم سينما "للكراسي الفاضية"؛ بل يهتم بتقديم عمل للجمهور العادي والبسيط.

وبالفعل تحقق أفلامه نجاحا جماهيريا؛ مثل "الكيت كات" 1991، و"البحث عن سيد مرزوق" 1991، و"أرض الأحلام" 1993، و"سارق الفرح" 1995، و"أرض الخوف" 2000، و"مواطن ومخبر وحرامي" 2001، ثم "رسائل بحر" 2010.

ورغم أن  بدأ مشواره في أواخر الثمانينيات؛ إلا أن رصيده السينمائي 9 أفلام روائية إلى جانب تقديمه لفيلمين تسجيليين، حيث يعتبر أنه وجيله من مخرجي الثمانينيات غيروا من السينما التسجيلية، التي كانت مخصصة للدعاية وتعتمد على معلق صوتي، لتصبح سينما تتحدث عن أشخاص وتجارب وأفكار، فيتعمق عبد السيد داخل النفس البشرية، ويصيغها بطريقته السينمائية من خلال طرحه لتساؤلات عن الحياة والعلاقة بالآخر والحرية.

هروب للدراما

11 فيلما سينمائيا فقط هي كل ما قدمه المخرج يسري نصر الله خلال مشوار بدأه كمساعد مخرج ليوسف شاهين منذ 36 عاما، وبالتحديد في 1985 من خلال فيلم "وداعا بونابرت"، راهن بعدها على أن يقدم أفكاره الخاصة من خلال أفلام حملت بصمته اهتم خلالها بالتجريب، وتقديم الواقع؛ لكن بصورة شاعرية حالمة مهما كانت قسوته، فاهتم بالتغييرات التي أصابت المجتمع ورصد العلاقات البشرية في أفلام مثل "سرقات صيفية"، والذي اهتم من خلاله بتوظيف فكرة العلاقة بين الإقطاعيين وقرارات ثورة يوليو/تموز 1952، ثم التغييرات السياسية والفساد والتطرف الديني والمخدرات في "مرسيدس".

وبالشاعرية نفسها قدم ملحمة "باب الشمس-الرحيل والعودة" فمن خلال قصة حب جمعت أبطال الفيلم يحكي مأساة فلسطين مع الاحتلال الإسرائيلي، ليعيد طرح القضية سينمائيا، وفي "جنينة الأسماك" اعتمد على طريقة سرد سينمائية مختلفة، تتناسب مع طبيعة العمل وسلبية أبطاله ومخاوفهم التي يستغلها تجار الدين والتيارات السياسية المختلفة.

وفي "احكي يا شهرزاد" قدم نصر الله نماذج نسائية تتعرض للعنف البدني والنفسي، وربطها بالفساد السياسي والاجتماعي أيضا، وحالة الازدواجية التي يعيشها المجتمع، وآخر أفلامه "الماء والخضرة والوجه الحسن" في 2016، وبعد فشل محاولات العودة للسينما خلال السنوات الخمس الأخيرة، قرر يسري نصر الله الموافقة على الإخراج الدرامي، فقدم "نمرة 2″، وهو أول مسلسل في مشواره، ومسلسل جديد تعاقد عليه مؤخرا، مكتفيا بـ11 فيلما خلال 36 عاما.

إيقاف التنفيذ

في عام 2000، كانت نواة مشروع المخرج والمؤلف محمد أمين السينمائي، الذي اعتمد في تكنيكه على الكوميديا السوداء، فالبداية مع "فيلم ثقافي"، الذي يتناول أزمات الشباب ومعاناتهم، من خلال استعراض أنماط مختلفة من الشخصيات في فترة التسعينيات سواء الجامعيين وحتى العاطلين والحرفيين، اهتم أمين بالتفاصيل الصغيرة والبسيطة في الفيلم، فتميز في الكتابة ورسم الشخصيات المتشابكة بداخل القصة، إلى جانب الإخراج.

ومن الكبت الجنسي للشباب، إلى أزمة العنوسة في "بنتين من مصر" لجأ محمد أمين إلى الميلودراما شديدة السواد، من خلال شخصيات من لحم ودم ونماذج لفتيات تخطين عمر 30، ويبحثن عن فرص للزواج والإنجاب.

لكن تظل الكوميديا السوداء هي الغالبة على أعماله مثل "ليلة سقوط بغداد"، والذي يعتبر من أوائل الأفلام في السينما المصرية، التي اهتمت برصد الشارع المصري وقت الاحتلال الأميركي للعراق، وأخيرا فيلم "فبراير الأسود"، والذي يعد آخر فيلم قدمه في 2013، والذي ابتعد فيه عن انتقاد النظام السياسي بالشكل التقليدي، فعالج أزمة حب الوطن وكيف يسعى الكثيرون للهجرة.

وبسبب خلافات إنتاجية وأزمات رقابية توقف فيلم "التاريخ السري لكوثر" آخر فيلم قام المخرج محمد أمين بتصويره، ليصبح رصيده السينمائي 4 أفلام في 21 عاما.

الأمر نفسه تعرض له المخرج مجدي أحمد علي، والذي ينتظر انتهاء الأزمة الإنتاجية ليرى فيلمه الأخير "طلعت حرب 2" النور، والذي يعود به بعد 4 سنوات من الغياب منذ أن قدم "مولانا"، فمخرج "يا دنيا يا غرامي" و"خلطة فوزية"، والذي استطاع من خلالهما التعبير عن مشاعر المرأة في أبسط تفاصيلها، و"عصافير النيل" و"أسرار البنات" لم يقدم أيضا سوى 6 أفلام خلال 51 عاما عمل خلالها في الفن.

تجارب شابة

ابتعدت أيضا تجارب سينمائية شابة عن الساحة السينمائية، بعد تقديم أعمال سينمائية مبشرة، اعتمدت على رؤية مختلفة عن القالب التقليدي للسوق، مثل المخرج إبراهيم بطوط صاحب تجربة "عين شمس" في 2009، و"حاوي" 2010 من إنتاج مؤسسة الدوحة للأفلام (قطر)، وشارك في العديد من المهرجانات العالمية، حيث قدم قبلها تجارب لأفلام قصيرة حازت على اهتمام النقاد، والمخرج أحمد عبد الله، الذي قدم أفلام "هليوبولس" و"وميكرفون"، و"ديكور" وآخر أفلامه قدم "ليل خارجي" منذ 2018.

أما هالة خليل، التي اهتمت بتقديم المرأة في السينما المصرية بصورة مختلفة في السرد السينمائي والإخراج أيضا من خلال "قص ولزق" و"أحلى الأوقات" و"نواره"، فرصيدها في الإخراج 3 أفلام فقط خلال مشوار بدأته في 1997.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من سينما
الأكثر قراءة