"سلمات أبو البنات".. دراما اجتماعية مغربية نجحت جماهيريا وفشلت جماليا

تبقى الدراما الاجتماعية من أصعب الأنواع على مستوى الخيال، بسبب تعقد حكاياتها وتشابكها مع قصص أخرى، قد تُؤثر على مضمون العمل الدرامي

أحداث حكايات مسلسل "سلمات أبو البنات" كانت سببا في ارتفاع نسب المشاهدات (مواقع التواصل الاجتماعي)

يُخيّل للمرء بعد مشاهدة الموسم الثاني من المسلسل المغربي "سلمات أبو البنات" (2021) للمخرج هشام الجباري، أن الدراما المغربية أضحت في عموميتها اجتماعية، ويغلب عليها الطابع التشويقي السطحي، الذي يجعل المؤلف ينتقل من حكاية إلى أخرى، دون مراعاة شروطها الفنية والجمالية، ولا سياقها التاريخي الذي برزت فيه أو حتى النسق البصري، الذي تتحكم فيه الصورة وينطبع به العمل الفني.

الصورة على اختلاف ألوانها وتمثلاتها، تبقى رهينة الانتماء والتجذر داخل سياق بعينه، فالمسلسلات الناجحة فنيا وجماليا داخل العالم العربي، هي التي تحرص على الغوص في واقعها بما يعرفه من تشنجات وقلاقل، لا أن تستعير واقعا آخر تعبر عنه بصريا وفق سياسة تأخذ بعدا مزدوجا في التصوير والتقاط أشلاء الواقع، وبالتالي، لا تقدم الوجه الحقيقي لصورة ذلك المجتمع، بحكم أن المنطلقات، التي أسست وعي الصورة فنيا، لم تكن صحيحة ويطبعها الكثير من الارتباك.

مشكلات مجتمعية

ورغم حرص مخرج "سلمات أبو البنات" على الانطلاق من الواقع الاجتماعي المغربي داخل عائلة بعينها، فإن عملية التخييل ظلت غائبة، بحيث نجد الكثير من الحلقات يطبعها التكرار ودغدغة المشاعر، دون أي مجهود يذكر على مستوى الحوارات.

وجاءت الحوارات عادية وبسيطة وتلقائية، ولا تستجيب إلى قوة القصة وإمكاناتها في فتح نقاش بصري كبير داخل العائلة المغربية والقانون والمجتمع المدني، لا لتقدم حلولا، بحيث إن المخرج التلفزيوني غير مطالب للخوض في قضايا ذات صلة بعالم الاجتماع.

وكان مخرج المسلسل مطالبا بضرورة الالتزام بعنصر التخييل، الذي يجعل من "سلمات أبو البنات" عملا فنيا وتخييليا، عوض الاستناد على عنصر تشويق القصة وأحداثها المتشابكة، وهذا أمر ليس بجديد أبدا داخل الدراما العربية، ولا سيما أن مختلف الأعمال الدرامية الاجتماعية يطبعها هذا التداخل والتمازج، بين القصص الفرعية والحكاية الأصل.

والمخرج التلفزيوني المتميز، هو الذي يجيد استعمال هذا التكثيف الحكائي، بأسلوب بصري يحقق نوعا من الانسجام الفكري والإيقاع البصري، عوض اللجوء إلى الإفراط في التشويق وكثرة الأحداث دون دلالة درامية، ما يجعل هذه العناصر تؤثر سلبا على الخطاب البصري، كما يحدث في "سلمات أبو البنات".

حكاية غير مركزة

في مسلسل "سلمات أبو البنات" تطالعنا كوكبة من الوجوه المعروفة داخل الدراما المغربية، لكن بعضها، لم يستطع فتح أي آفاق للنص على مستوى الأداء، بسبب هزالة النص وعدم نجاعة مؤلفه في نحت الشخصيات لدرجة أنها تبدو في عشرات المَشاهد دون مرجعية ثقافية أو أيديولوجية تُؤسّس وعيها ومسارها داخل الحكاية.

شخصيات تدخل وأخرى تخرج بلا أي تناسق بصري يعطي للحكاية فاعليتها ويجعل النص الدرامي متينا في بنيانه وقويا في تصوّراته ورؤاه، فالارتباك الذي يحصل داخل النصّ يشوش ضمنيا مسار الحكاية ويجعل فروعها تضيع داخل مسارات أخرى من الحكي، فهي بمثابة حشو درامي.

وهذا الأمر، لا ينتبه له المؤلف لحظة الكتابة، ولكنه يبرز بقوة داخل فضاء الصورة، بحيث يجد المُشاهد أن بعض حلقات المسلسل، قد انحرفت على خطيتها، ما يشكل نشازا داخل عنصر الحكاية، التي تؤثر بدورها على عنصر الصورة وجمالياتها.

على هذا الأساس، تبقى الدراما الاجتماعية من أصعب الأنواع على مستوى الخيال، بسبب تعقد حكاياتها وتشابكها مع قصص أخرى، قد تُؤثر على مضمون العمل الدرامي، إذا لم يحسن المؤلف استخدامها، بما يتماشى مع طبيعة الحدث الدرامي. وقد يزداد العمل صعوبة إذا وجد المخرج نفسه، أمام مجتمع مركب مثل المغرب في طبيعته الفكرية وفسيفسائه الاجتماعية، التي تجعل من عملية الانفكاك عن وجود سياسي أو اجتماعي داخل عمل درامي أمرا بالغ الصعوبة والتعقيد.

ضعف السيناريو

الانصياع لسلطة الحكاية وأحداثها في "سلمات أبو البنات"، هو العامل الوحيد، الذي يتحكم في ارتفاع نسب المشاهدات.

هذا، ولا ننسى أن المخرج استطاع من جهة أخرى التحكم في هذه الشخصيات واللعب بها بين الموسم الأول والثاني، إذ تغيب شخصيات وتحضر أخرى، ما جعل المسلسل من جانب آخر قويا في التأثير على المشاهد، مع قدرة هشام الجباري على الجمع بين الوجوه المخضرمة في الدراما المغربية وأخرى جديدة تلهث جاهدة إلى إحداث تغيير في طبيعة هذه المسلسلات المغربية، التي بدت في الآونة الأخيرة، أكثر حكرا على وجوه تلفزيونية بعينها، في غياب كلي للأسماء الجديدة.

داخل المسلسل يبرز من جديد الممثل المغربي محمد خويي كأسد للشاشة، من خلال قدرته على التماهي مع شخصية الأب، التي جسدها بكل حرفية، مع أن محمد خويي، يبدو وكأنه خلق لنفسه بورتريها تلفزيونيا واحدا عن الشخصية القوية، فأدواره قريبة من بعضها ودائما يطبعها نوع من العنف والتسلط والمكر والقوة، إلا أنه في "سلمات أبو البنات" تبدو شخصيته مرتبكة بين القوة والضعف، وهذا الأمر حدس له الممثل فانعكس إيجابا على الدور، بحكم أن السياقات الفنية الداخلية للمَشاهد تفرض هذه الازدواجية في أداء الدور، بين استخدام قوة الجسد وعنف ملامحه وبين رهافة الذات في تعامل الأب مع بناته.

المصدر : الجزيرة