فن متكامل.. جماليات الفيلم القصير التي لا نعرفها

الفيلم القصير ليس مجرد فيلم طويل يتم اختصاره إلى آخر أقل في الوقت بل له جمالياته الخاصة (بيكسابي)
الفيلم القصير ليس مجرد فيلم طويل يتم اختصاره إلى آخر أقل في الوقت بل له جمالياته الخاصة (بيكسابي)

عندما بدأ فن السينما كانت الأفلام لا تتعدى مدتها الثواني المعدودة، وزادت بعد ذلك إلى دقائق قليلة، وظلت على هذا الوضع عدة سنوات لأسباب تقنية في البداية، ثم اقتصادية بعد ذلك؛ لارتفاع ثمن خامات التصوير.

وضع هذا الأمر مخرجي الأفلام في تحد من أجل تقديم فكرة متكاملة في وقت محدود للغاية، ولو عدنا لأفلام هذه الفترة لوجدنا بالفعل أفلاما عظيمة لمخرجين مثل جريفيث وسيسل دبي ديميل وشابلن، لا يتعدى طولها "بكرة واحدة"، أي حوالي 12 دقيقة، لكن في الوقت ذاته مكتملة الحبكة الدرامية، آخذين في الاعتبار أنهم كذلك كانوا موضوعين تحت ضغط آخر، وهو صمت أفلامهم.

مع مرور السنوات، بدأ بعض المخرجين المغامرة بإنتاج أفلام أكثر طولًا، على غير رغبة شركات الإنتاج التي تخشى الخسارة، وبعد نجاح الأفلام الطويلة تراجعت الأفلام القصيرة، لكنها ما زالت تمتلك القدرة السحرية ذاتها على تكثيف قصة متكاملة في دقائق معدودة.

ونتعرف هنا على أهم خصائص الأفلام الروائية القصيرة:

سيناريو الفيلم القصير

السيناريوهات هي المخططات السينمائية للفيلم، وبالتالي يجب من خلالها تحديد الشكل النهائي للفيلم الذي سيصور.

يجب ألا يزيد طول سيناريو الفيلم القصير عن صفحتين إلى 40 صفحة. وتعرّف أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة الفيلم القصير بأنه "صورة متحركة أصلية مدتها 40 دقيقة أو أقل، بما في ذلك جميع التترات"، والقاعدة العامة أن كل صفحة نصية تساوي دقيقة واحدة من وقت الشاشة؛ لذا فإن 35 إلى 40 صفحة هي بشكل عام الحد الأقصى لما يمكن قبوله على أنه سيناريو قصير.

بالإضافة إلى تحديد طول السيناريو السينمائي للفيلم القصير، فإن النص يجب أن يكون مكثفا، الأمر الذي يؤثر أيضًا على الوقت الذي توجد فيه الشخصيات والقصص في أعيننا وعقولنا.

الأفلام القصيرة ليس لديها الوقت لبناء التوتر، وليس لديها الوقت لبناء العقدة، وبدل ذلك يجب تقديم العقدة بدقة سريعة، ولكنها مؤثرة للشخصيات.

يجب أن تتقن سيناريوهات الأفلام الطويلة بشكل أكبر فن الحفاظ على اهتمام المشاهد. يحتاج كتّاب السيناريو إلى مزيد من التقلبات والانعطافات للحفاظ على إيقاع القصة، وليس الوصول إلى النهاية بسرعة كبيرة، ولا يمكن الانتظار طويلًا للكشف عنها أيضًا.

لذا تقدم السيناريوهات القصيرة للكاتب فرصة للدخول في صلب الموضوع بسرعة، مع التأثير، في حين تقدم الأفلام الطويلة ميزة القدرة على تضمين وتطوير المزيد.

الشخصيات

يمكن للأفلام القصيرة أن تعطينا لمحة عن حياة الشخصية، في الحقيقة مجرد لحظة وجيزة. في حين نتعرف في الأفلام الطويلة غالبًا على الشخصيات في أفضل حالاتها أو في الأسوأ من حالاتها، وبعد ذلك نراهم يمرون بالتغييرات التي أجبرهم الحادث المحرض عليها مع العديد من النزاعات.

تجبرنا الأفلام القصيرة على مراقبة الشخصيات لفترة وجيزة في معظم الأحيان. نحن نشاهدهم فقط أثناء إلقائهم في صراع رئيسي واحد، ويضطرون إلى تجاوزه. تركز النصوص في الأفلام القصيرة فقط على الشخصيات الأساسية التي لها غرض مباشر لمفهوم الفيلم المركزي.

باختصار، في الأفلام الطويلة نجلس مع الشخصيات ونقضي بعض الوقت في التعرف عليها، أما في الأفلام القصيرة فنمر بها خلال لحظة من حياتها ونستمر من دون أن نتمكن من النظر إلى الوراء للمزيد من التفاصيل ولا للأمام للمستقبل. أي أن الفيلم يركز فقط على لحظة واحدة مركزة ومكثفة من حياة الشخصية الرئيسية، ولا يتفرع إلى عدد من الشخصيات الثانوية والرئيسية.

البناء

البناء هو الحبكة الدرامية، والمقصود بالحبكة الدرامية التنظيم العام للعمل ككائن متوحد، وهي عملية هندسية وبناء لأجزاء العمل للوصول إلى تحقيق تأثيرات فنية وانفعالية معينة.

نظرًا لعدم وجود شخصيات فرعية "أ" و"ب" و"ج"، يجب اتباع قصصها في الفيلم القصير، لا توجد أيضًا قصص "أ" و"ب" و"ج" للمتابعة في وقت واحد، مثل تلك التي تجدها في الأفلام الطويلة.

الأفلام القصيرة لا تتكون حتى من قصص كاملة، وبدل ذلك تعرض مجرد لمحة عن تلك القصة.

وهنا يكمن الاختلاف الرئيسي بين الأفلام القصيرة والطويلة. لا يتعلق الأمر بالاختلافات الواضحة في الزمن والوقت، ولا يتعلق الأمر بعدد أقل أو أكثر من الأحرف أو المشاهد واللقطات المصورة؛ بل يتعلق الأمر ببنية القصص، وكيف تؤثر هذه العناصر على الهيكل النهائي للفيلم القصير.

وبالتالي، الفيلم القصير ليس مجرد فيلم طويل يتم اختصاره إلى آخر أقل في الوقت، بل له جمالياته الخاصة، التي تتمثل في قدرته على تقديم لمحة من حياة الشخصيات الرئيسية في لحظة شديدة التعقيد بالنسبة لهم، يشبه الأمر براعة المصور في التقاط صورة فوتوغرافية في لحظة معينة تحمل كل انفعالات الشخصيات المصورة في أهم لحظة في حياتها، هذه القدرة الخارقة على التكثيف والإيجاز هي ما تفرق بين الفيلم الروائي القصير وأخيه الأكبر الذي يمتلك رفاهية بناء الشخصيات وتحولاتها حتى الوصول إلى العقدة وحلها.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من سينما
الأكثر قراءة