جدل التاريخي والتخييلي.. "الحرب الأهلية اللبنانية" في مرآة السينما

رغم قوة التخيل، التي برزت في بعض الأعمال الوثائقية لكل من جوسلين صعب ومارون بغدادي وجان شمعون وبرهان علوية، فإن الصورة السينمائية تبلورت في أعمالهم بوصفها "توثيقًا" لجرح لم يندمل إلى اليوم.

المخرج اللبناني جان شمعون (الصحافة العربية)
المخرج اللبناني جان شمعون (الصحافة العربية)

مرّت قبل أسابيع قليلة ذكرى "الحرب الأهلية اللبنانية" (1975-1990)، واستعادت معها برامج وصحف ومجلات عربية سيرة الحرب وأوجاعها، ومدى تأثيرها على الراهن اللبناني؛ سياسة واجتماعا وثقافة وفنًّا؛ فحجم التأثير الذي مارسته هذه الحرب منذ السبعينيات إلى حدود التسعينيات ما يزال إلى حدود اليوم يرخي بلهيبه على الواقع السياسي اللبناني، ويدخله في دوامة متكرّرة وسلسلة من المآزق والتصدّعات، لا يعاني منها سوى المواطن البسيط.

وبما أن الحرب في سوسيولوجيتها تكتسح الأخضر واليابس كما يقال، فإن تأثيرها على الراهن الفني بدا بارزًا داخل العديد من الأعمال المسرحية والفوتوغرافية والتشكيلية، التي عملت على توثيق اللحظة التاريخيّة القاهرة وإعادة صياغتها بطرق مختلفة من حيث النقد المضمر في ثنايا خطابها البصري وكيفية معالجتها الفنية على ضوء المفاهيم الجماليّة المعاصرة، التي اكتسحت طوبوغرافية الفنّ العربي المعاصر. فقد لعبت هذه الأعمال الفنيّة دورًا كبيرًا في تعرية واقع الحرب وأعطابها وتفكيك ميثولوجياتها السياسية، وما تُضمّره من صور عنيفة في حق المجتمع وأفراده.

المتمردون اللبنانيون المعارضون لحكومة كميل شمعون يقفون أمام مبنى عام ببيروت في 15 يونيو/حزيران 1958 (الفرنسية)

السينما بدل الفوتوغرافيا

رغم عشرات المعارض الفوتوغرافية، التي تناولت ثيمة "الحرب الأهلية اللبنانية" بالدرس الفني والتخييل الجمالي، بحكم ما تُوفره الصورة الفوتوغرافية من قدرة على التوثيق والتأريخ، بسبب جمودها وحساسيتها تجاه الحدث وآنيته؛ فإن كمًّا هائلا من الأرشيف الفوتوغرافي -الذي وثّق يوميات الحرب، رغم ما يطبعه من عدم الاهتمام من قبل الباحثين والمؤسسات العربية من حيث تناول هذا العمل الفوتوغرافي بالدرس والتحليل- قد شكّل وسيلة معرفية ومصدرا بصريا من مصادر التاريخ المعاصر في لبنان، ويُمكن الاستناد إليه من أجل التأريخ وصياغة تاريخ جديد يتنصل من التقاليد السلطوية والرؤية الأيديولوجية، التي طبعت تواريخ البلدان العربية في المرحلة المعاصرة.

إن الصورة الفوتوغرافية وهي تطرق باب الحرب الأهلية اللبنانية، فإنها تعمل ضمنيًا على تجديد النظرة إليها، ليس فقط من خلال الأرشفة، بل في جعل الحرب قضية مركزية وراهنة تستحق الكثير من التدقيق والتمحيص في مراحلها ومدى تأثيرها على بنية الاجتماع اللبناني سياسة وثقافة.

من التوثيق إلى التخييل

لكن السينما وعلى خلفيتها المعرفية، بحكم ما يطبع صورها الفنيّة من حركية، فإنها اهتمت أكثر بعنصر التخييل على التوثيق، ولو أن عشرات الأفلام الوثائقية، التي أنجزت في مرحلة الحرب غلب عليها الإطار التأريخي، الذي يرصد الاجتماع اللبناني وحياة الناس، فالكاميرا في أفلام اللبناني جان شمعون (1944-2017) قريبة من الأفراد وعيشهم.

غير أن بعض المتون البصريّة الروائية الأخرى، وإنْ اشتغلت على "الحرب الأهلية اللبنانية" في آنيتها، فإن عنصر الحكاية وجماليّاتها داخل هذه الحرب شكّل علامة جماليّة لهذه الأفلام ونقطة مركزية للانتقال من عملية التوثيق إلى التخيل، كما تُطالعنا عدد من أفلام المخرجة اللبنانية رندة الشهّال (1953-2008).

المخرج اللبناني برهان علوية (الصحافة العربية)

على هذا الأساس، ظلّت السينما أكثر الفنون البصرية انشغالا بالحرب الأهلية اللبنانية، إذ لا يكاد ينتهي عمل سينمائي حتى يظهر فيلم وثائقي أو روائي جديد، يقرأ خطاب الحرب وويلاتها عبر رصد جملة من الحكايات المستلة من هذه الحرب ووقائعها المُتشظية،.

ولهذا، فإن السينما في هذه المرحلة تحديدا التي سميت "السينما البديلة" أو "المستقلة"؛ أنتجت خطابًا سينمائيًّا قويًّا ببنيانه وموضوعاته وقصصه وفرادة رؤية عدد كبير من المخرجين اللبنانيين الذي جعلوا الكاميرا وسيلة بصرية لالتقاط المهمل والعابر والزائل من هذه الحرب، وما تتستّر عليه "تنانين" السلطة، وإعادة تخييله وجعله يمتطي سيرة المرئي.

فجاءت الأفلام عبارة عن "شهادة" تقوم باستقراء المرحلة سياسيًا واجتماعيًا وبدرجات مختلفة من المعالجة الجماليّة، بين الأسلوب الوثائقي التقريري المباشر والقالب الروائي المُستند إلى عناصر الحكاية ومدى تشابكها وتغلغلها مع الاجتماع اللبناني، كما هو الأمر في "حروب صغيرة" و"خارج الحياة" للمخرج مارون البغدادي (1950-1993).

من المضمون إلى الشكل

غير أن القفزة الجماليّة النوعية، التي حققتها سينما الحرب الأهلية اللبنانية، كانت لحظة الانتقال من التوثيق إلى التخييل، إذ أن هذا "النزوح" البصري لم تتحكّم فيه دوافع معرفية أو سياسية، وإنما ظلّ بالدرجة الأولى رهينًا إلى أبعاد ذاتية وجمالية، لأن الأعمال التي ظهرت في السنوات الأخيرة من الحرب كان تراهن بشكل كبير على جماليّات القصص والحكايات، وليس على الواقعي العيني وما يحبل به من أزمات.

المخرجة اللبنانية جوسلين صعب (الصحافة العربية)

جاءت أفلام رندة الشهال تعبيرا فنيا يقوم على تخيل النصّ الحكائي وجعله في قلب المأساة اللبنانية، من دون أن تخرج عن سياق الحرب والقهر. فهذا الانتقال من المضمون إلى الشكل هو سر نجاح أفلام رندة الشهال وباقي التجارب الأخرى، التي ظهرت مع بداية الألفية الجديدة، بعد أن كرس كل من علوية وبغدادي وشمعون أعمالهم السينمائية انطلاقا من الواقع اللبناني في زمن الحرب.

فقد بدا الشكل البصري غير مهم مقارنة مع الخطاب السينمائي، أمام جملة تحوّلات والبحث عن أفق جمالي وتخييلي، كان أبعد بكثير داخل مرحلة تُهدي سياسيًّا واجتماعيًّا.

المخرج مارون بغدادي (الصحافة العربية)

ورغم قوة التخيل، التي برزت في بعض الأعمال الوثائقية لكل من جوسلين صعب ومارون بغدادي وجان شمعون وبرهان علوية، فإن الصورة السينمائية تبلورت في أعمالهم بوصفها "توثيقًا" لجرح لم يندمل إلى اليوم.

فبعد مرور سنوات طويلة على انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية، ما تزال ذكراها الأليمة حاضرة في نفوس العديد من المخرجين اللبنانيين الجدد، كما هو الشأن مع حسين إبراهيم في فيلمه القصير" سلسلة اختفاءات وعلاقات غير مريحة" (2018)، ووليد مؤنس في فيلمه "1982"، إذ رغم المجهود المبذول في هذه الأفلام على مستوى القطع مع ظلال الحرب الأهلية في معالجتها المباشرة من خلال الرهان على البعد التوثيقي تارة والتخييلي تارة أخرى؛ فإن السنوات التي أعقبت الحرب بدلت الكثير من معتقدات الناس ورؤيتهم إلى البلد، وهذا الأمر هو ما تُطالعنا به هذه الأفلام، التي وإن حرصت على توثيق المرحلة، فإنها سرعان ما تجد نفسها داخل عوالم سينمائية يتقاطع فيها الواقعي/التاريخي والتخيلي/الجمالي.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من فن
الأكثر قراءة