الصراع على الحكاية.. الاحتلال الإسرائيلي ومحاولات وأد الذاكرة الفلسطينية

القضية لم تمت، لكن الذاكرة والهوية تنتفضان كالعنقاء من تحت الركام؛ والأرض نفسها تطرح مقاوما جديدا مع كل قطرة دم تتشربها.

حنظلة الطفل الكاريكاتيري مزق ثوب السردية المزيفة التي يروج لها الاستيطان بأنه الضحية المضطهدة التي تريد وطنا لها (مواقع التواصل الإجتماعي)
حنظلة الطفل الكاريكاتيري مزق ثوب السردية المزيفة التي يروج لها الاستيطان بأنه الضحية المضطهدة التي تريد وطنا لها (مواقع التواصل الإجتماعي)

من أين يبدأ من يريد أن يثبت أن فلسطين عربية إسلامية؟ من صفحات التاريخ أم من أروقة الجغرافيا؟ من العدوان الحالي على غزة أم من آلاف الصور واللوحات التي سجلت تاريخ الأرض وسكانها الأصليين منذ قرون؟ الحقيقة أن أصحاب القضية عربا ومسلمين لا يحتاجون أن يثبتوا شيئا.

فالحرب القائمة ليست عن جهالة، والعدو الموغل في وحشيته لا يقصف ويقتل ليل نهار بسبب فكرة خاطئة لو تم تصحيحها قد يتوقف، بل إنه يخوض -بجانب معركته العسكرية- حربا، هي حرب المفردات؛ حرب لغوية هدفها قلب المسميات، ومن ثم قلب الأفكار، حرب يراد لها أن تطمس التاريخ في الوقت نفسه الذي تمحى فيه الجغرافيا باستخدام الترسانة العسكرية.

فالاحتلال الصهيوني لأرض فلسطين صار في أروقة المحاكم الدولية "الصراع الإسرائيلي الفلسطيني"، والمجازر والتطهير العرقي والإبادة الجماعية لملايين البشر صار اسمها "الاشتباك بين الطرفين"، وحركات المقاومة الوحيدة التي لا تزال تقاتل من أجل القضية صار اسمها "منظمات إرهابية".

هذه المفردات المختلفة والألفاظ الجديدة ليست معنية فقط بإزالة الحرج عن الاستيطان الصهيوني لأرض فلسطين، بل أيضا بتغيير مفردات القضية في رؤوس أهلها؛ فتحرير فلسطين من الاحتلال صار اسمه "حل الدولتين والتعايش المشترك" على حدود النكسة التاريخية 1948 أو 1967.

الصراع على السردية الكبرى

كانت الحركة الصهيونية -ولا تزال- حجر الزاوية الذي قامت عليه إسرائيل. والصهيونية لم تكن مجرد حركة استعمارية فحسب، بل حركة استيطانية إحلالية تهدف إلى إخلاء الأرض من سكانها (أرض بلا شعب)، ليفوز بها شعب بلا أرض، وهم اليهود.

وعليه؛ فإن رفض السكان الأصليين التخلي عن أرضهم لن يقابل إلا بقوة السلاح، وتنفيذ أسطورة وطن قومي لليهود في فلسطين لن يتم إلا بالعنف، وأضحى توطين كتلة سكانية كبيرة في أرض غيرهم معتمدة على شيئين: العنف المباح في كافة صوره وأشكاله تجاه السكان الأصليين، وطمس الهوية الفلسطينية، بل ومحوها كلية من الوجود؛ ومن هنا جاءت فكرة الهاجس الأمني وعقلية الحصار التي تبناها المستوطن الصهيوني.

فالسردية الصهيونية بأن فلسطين وطن اليهود يعكر صفوها مئات الشعراء والأدباء والتشكيليين الذين كانوا شوكة، بل قطعة زجاج في حلق المستوطن الإسرائيلي، الذي بدوره لا يعرف في سبيل تحقيق هدفه الاستيطاني أي حدود أو محرمات.

أين ناجي العلي؟ اغتاله الموساد؛ فحنظلة الطفل الكاريكاتيري كان يمزق ثوب السردية المزيفة التي يروج لها الاستيطان على أنه الضحية المضطهدة التي تريد وطنا لها. اغتال الموساد ناجي العلي في 29 أغسطس/آب 1987. ناجي العلي الذي رسم أكثر من 40 ألف رسم كاريكاتيري يفضح فيه الكيان الصهيوني وتواطؤ الأنظمة العربية.

"ولد حنظلة في عمر العاشرة، وسيظل دائما في العاشرة من عمره؛ ففي تلك السن غادر فلسطين وحين يعود حنظلة إلى فلسطين سيكون بعدُ في العاشرة، ثم يبدأ في الكبر؛ فقوانين الطبيعة لا تنطبق عليه لأنه استثناء، كما هو فقدان الوطن استثناء". وأما عن سبب تكتيف يديه فيقول ناجي العلي "كتفته بعد حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 لأن المنطقة كانت تشهد عملية تطويع وتطبيع شاملة، وهنا كان تكتيف الطفل دلالة على رفضه المشاركة في حلول التسوية الأميركية في المنطقة، فهو ثائر وليس مطبعا".

لوحة "عروسان على الحدود" (1962) للفنان إسماعيل شموط (مواقع التواصل)

الحلاج قُتل مرتين

يُجبرنا التشابه الاسمي بين الحلاجين؛ التشكيلي الفلسطيني مصطفى الحلاج والصوفي العراقي الشهير الذي يحمل الاسم نفسه على التفكر في احتمالية وجود تشابه أكبر يجمعهما. وقد كان، وهو الموت المأساوي الذي لاقاه كل منهما؛ فالحلاج الصوفي العراقي صُلب لتأكل منه الطير بعد اتهامه بالكفر والفسوق، فيرحل متوحدا مع ملكوت أفكاره. في حين قضى الحلاج التشكيلي الفلسطيني نحبه محترقا مع أعماله إثر حريق شب في مرسمه، مرسم ناجي العلي، بدمشق، وأتى على الرسام ومعظم أعماله؛ فينتهي هو قبل أن يُنهي جداريته "ارتجالات الحياة".

ومصطفى الحلاج هو في الأصل ابن قرية يافاوية صغيرة في فلسطين عام 1938، هي بلدة سلمة قضاء، وعاش فيها أول 10 سنوات من عمره، حتى هُجر منها على يد الاستيطان، فانتقل إلى مصر ونشأ فيها، قبل أن يلتحق بكلية الفنون الجميلة. وشأن الحلاج شأن معظم المقاومين؛ لا شيء يقصيهم عن القضية الكبرى. ينتمي الحلاج إلى جيل التغريبة الفلسطينية، إلى جيل حق العودة من بحر الشتات.

لوحة للفنان مصطفى الحلاج (مواقع التواصل)

الخيار الوحيد

كغيره من الفنانين الفلسطينيين، حمل عبء القضية ووضعها نصب عينيه، ولم ينفك أن يقدم هموم الأرض التي تدفع ثمن كونها مقدسة في كافة أعماله الفنية، هو إسماعيل شموط (1930-2006) فنان تشكيلي فلسطيني، مؤسس قسم الفنون في منظمة التحرير الفلسطينية. وامتاز أسلوب شموط بكونه واقعيا تعبيريا مع بعض الرمزية. وقال بنفسه إنه لم يختر أسلوبه هذا بشكل عقلاني، ولكن موضوع القضية الفلسطينية الذي طغى على رسومه فرض هذا الأسلوب.

ما معنى أن تكون فلسطين همك الأكبر؟ هذا ما تجيب عنه لوحات شموط؛ العناوين التي تصلح نصوصا أدبية: "إلى أين" و"عروسان على الحدود" و"سنعود" و"وانتظار الفجر" وغيرها الكثير، لوحات تحمل الذاكرة في طياتها، وترفض التخلي عن فلسطين التاريخية من البحر للنهر، وتتمسك بالمقاومة كحل وخيار وحيد للمأساة الفلسطينية.

تلك الذاكرة الحية التي يستمر أصحابها في النضال من أجلها هي ما تخيف الاستيطان الصهيوني، الذاكرة التي لا يستطيع طمسها فلا يلبث أن يغتال ناجي العلي وغسان كنفاني وأحمد ياسين، وغيرهم المئات من رموز النضال الفلسطيني. ومع ذلك، القضية لم تمت بل وتنتفض الذاكرة والهوية كالعنقاء من تحت الركام؛ فيستزيد بأن يقصف البلاد والعباد على أمل أن تختفي فلسطين من الوجود، إلا أن الأرض نفسها لا تلبث أن تطرح مقاوما جديدا مع كل قطرة دم تتشربها.

المصدر : الجزيرة + مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

جاء مسلسل “دارك” محملا بالألغاز والدلالات التي عززت فكرة المصير التعس الذي ينتظر الإنسانية في ظل الاكتشافات العلمية المتواترة، وخرج عن الإطار المألوف لأعمال الخيال العلمي بعد أن نجح في تخريب المفاهيم.

21/2/2021
المزيد من فن
الأكثر قراءة