في ذكرى رحيله.. نوري الراوي التشكيلي العراقي الذي أوصل بيئته للعالمية

الراوي اشتهر برسم البيئة والصحراء والنهر والنواعير

الراوي أمام إحدى لوحاته (الجزيرة)
الراوي أمام إحدى لوحاته (الجزيرة)

ترك الفنان التشكيلي العراقي الراحل نوري الراوي إرثا كبيرا من ماض جميل وتجربة ثرية طرزت الفن التشكيلي برسومات للبيئة والصحراء والطبيعة والنهر والناعور والقباب.

كما كشفت تجربة الراوي في التعبير عن الأشياء، كشفت أيضا الكثير من الحقائق النفسية والاجتماعية، وعبر عنها بصيغة شعرية مزجها بالرسم، وكان يكرر باستمرار موضوعات القرى والصحراء والمرأة بنظرة تجريدية وجمالية لا تخلو في الغالب من محنة أو حزن عميق.

وتأثر الراوي -الذي تصادف ذكرى رحيله هذه الأيام- بزميليه الفنانين التشكيليين والنحاتين العراقيين الشهيرين جواد سليم وفائق حسن، لكنه اكتشف طريقا خاصا وبتأطير شعري وفلسفي، كما استفاد من الطبيعة المهجورة والحزينة ونادرا ما تجده يرسم أشخاصا.

لوحة بائع القماش للراحل نوري الراوي (الجزيرة)

والراوي (1925-2014) المولود في مدينة راوة في محافظة الأنبار العراقية كان أول تشكيلي يعد صفحة سينما ويكتب عمودا فيها، وعمل مسؤولا لكتابة السيناريو في الفيلم العراقي "سعيد أفندي" مع الممثل الراحل يوسف العاني عام 1957.

النهر والناعور والقباب ثيمات بارزة في لوحات الراوي (الجزيرة)

كما عمل في التدريس في ثانوية مدينة الرمادي بمحافظة الأنبار، وكان صديقا للباحث التاريخي واللغوي الأب أنستاس الكرملي والمؤرخ عبد الرزاق الحسني والشاعرين معروف الرصافي وبدر شاكر السياب الذي عمل معه في مديرية الأموال المستوردة، وذات مرة أخرجه من المعتقل بكفالة. وهو من مؤسسي جمعية التشكيليين العراقيين، كما أسس المتحف الوطني للفن الحديث وصار مديرا له لعدة سنوات.

أسس الراوي المتحف الوطني للفن الحديث في العراق، وكان أول مدير له (1962- 1974)، ورئيس جمعية التَّشكيليين العراقيين، ونال وسام الاستحقاق العالي عام 1993، ولقب رائد تشكيلي عام 1993.

أقام عدداً من المعارض لا يمكن حصرها، وعرفت أعماله طريقها إلى جميع أنحاء العالم، وذلك من خلال معارضه التي أقامها في لندن وباريس وروما وبودابست ودابرتسن ببلغاريا وبيروت ودمشق وعمان وبغداد.

كما أنه أصدر أكثر من كتاب في الشعر والتشكيل والسينما والمسرح، منها "تأملات في الفن العراقي الحديث" عام 1962، "المدخل إلى الفلكلور العراقي" عام 1962، "العراق في كرافيك" عام 1966، "اللون في العلم والفن والحياة" عام 1986، "متحف الحقيقة متحف الخيال" عام 1998، "تأملات في الفن العراقي الحديث" عام 1999، وغيرها.

علي الدليمي: لوحات الراوي تشي بالشعر والحلم في آن واحد (الجزيرة)

شعر وحلم

يقول مدير المتحف الوطني للفن الحديث الناقد علي الدليمي إن لوحات الراوي تشي بالشعر والحلم في آن واحد، فهو يعود بنا كفنان راسخ الجزر إلى قريته في راوة التي ولد فيها وتركت في ذاكرته خيالات وانطباعات غير قابلة للمحو، مشيرا إلى أنه كان يعبر عنها برسومه بإطار فلسفي يسبغ عليها عمقه الشعري في النظر للأشياء، وكأنه يكتب قصيدة وليس يرسم لوحة.

وحتى في نثره النقدي -يتابع الدليمي- تجد صورا مستوحاة من ولعه تجاه الزمن وذكرياته التي لا تبارح عقله.

الزيدي يرى أن تجربة الرسم لدى الراوي تكرست عند حدود المدن الرمز التي تمثلت بمدينته "راوة" (الجزيرة)

مدن الحلم

يقول الناقد الدكتور جواد الزيدي للجزيرة نت إن تجربة الرسم لدى الراوي تكرست عند حدود المدن الحلمية، أو المدن الرمز التي تمثلت بمدينته "راوة"، وقد تصيرت مدن حجرية بيضاء حالمة كمعادل موضوعي لخراب الأمكنة على الصعيد الواقعي.

وبهذا ستكون هذه المدن المرسومة -يتابع الزيدي- هي الأمكنة الأجمل داخل ذات الفنان، بما يؤسس لعلاقة جمالية تم فقدانها مع الأصل، ولكن إعادة تصوير موجوداتها المحببة مثل النواعير وأزقة المدن والقباب البيضاء يمكن أن يكون بديلا روحيا عن الأصل المقوض تستحضره الذاكرة الفردية وتحاول أن تبثه إلى حدود اللاوعي الجمعي.

الراوي بريشة فنان الكاريكاتير العراقي علي المندلاوي (الجزيرة)

أما فنان الكاريكاتير العراقي الشهير علي المندلاوي فيقول للجزيرة نت إنه كان أحد تلامذة الراوي ورسمه مرتين، الأولى لمجلة ألف باء العراقية في ثمانينيات القرن الماضي، وهو غاطس في مياه مسبح بإطار لوحة، والثانية وهو يستخدم ناعورا كدولاب هواء يدور به في فضاء إحدى لوحاته الساحرة عن فردوس اسمه "راوة"، راوة التي لم أعرفها إلا بعيون ابنها الراوي عبر لوحاته التي تفيض شعرا وجمالا وعذوبة.

ويشير المندلاوي إلى أن لوحات الراوي تميزت بتقنيات الصبغات الزيتية وجماليات روحه العذبة الفياضة بحب فراديس طفولته الغائبة، فكان يستعيدها هائما حالما بنواعيرها وماء شطها وبساتينها الغناء ويسبغ عليها فيض من حنين بلمسات رومانسية هائمة تسلب الألباب جمالا وعذوبة وحلاوة.

ويحسب للراوي فهمه العميق لدور الكاريكاتير ورعايته للكاريكاتيريين، وحرصه على إقامة المعارض وضرورة إيصال رسومهم المدهشة إلى العالم، بحسب المندلاوي.

الراوي تعلق بطبيعة قريته في مدينة راوة بمحافظة الأنبار (الجزيرة)

وتحدثت الرسامة والشاعرة رؤيا رؤوف عن الراوي في ذكرى رحيله، وقالت إنه كان من الأساتذة الذي أثروا فيها كثيرا، لا سيما في قضية تعلقه بطبيعة راوة وما حولها من صحراء وقرى وطبيعة جميلة ونواعير.

ويكاد يكون الراوي الفنان الوحيد الذي أخلص للبيئة التي عاش فيها -تضيف رؤوف- وقد استحالت الطبيعة لديه واقعا جماليا حزينا أو حزنا جماليا، وله دور كبير في جمع الكثير من الفنانين وإقامة معارض لهم خارج العراق. كما كان له موقف رائع من المرأة والنظر إليها ككائن منتج.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من فن
الأكثر قراءة