المرأة في السينما المصرية.. من فيمنست الخمسينيات إلى مهمشات الألفية الثانية

مع بزوغ جيل جديد من الكتاب والمخرجين واختلاف المجتمع أيضا انصب الاهتمام بالتعبير عن مشاعر المرأة وشخصيتها بصورة مختلفة.

mona zaki
منى زكي بطلة فيلم "احكي يا شهرزاد" (مواقع التواصل الاجتماعي)

من نصرة القضايا المهمة إلى التعبير عن أدق مشاعر المرأة الإنسانية، شهدت السينما المصرية حالة من التحول في تناولها للمرأة، هذا التحول الذي بدا واضحا بعد ثورة يوليو/تموز 1952، واهتمام الدولة وقتها بتقديم أفلام داعمة لأفكار التقدم والتحرر وقبول الآخر، ومع بزوغ جيل جديد من الكتاب والمخرجين واختلاف المجتمع أيضا انصب الاهتمام بالتعبير عن مشاعر المرأة وشخصيتها بصورة مختلفة.

صرخة في وجه الذكورية

يعد فيلم "الآنسة حنفي" 1954 من بطولة إسماعيل ياسين وماجدة، من أوائل الأفلام التي وجهت صرخة في وجه الذكورية، والنظرة المحدودة للمرأة التي كانت سائدة في هذا الوقت، وأكدت أن المرأة لا تقل عن الرجل عقلا.

وعالج المخرج فطين عبد الوهاب بطريقة ساخرة وكوميدية تسلط الرجل على المرأة، وبأنه صاحب السلطة لكي يرشدها للصواب والخطأ، ولجأ صناع الفيلم إلى حيلة ذكية، وهي تبادل الأدوار من خلال تحول البطل إلى امرأة في نظرة سابقة للزمن وقتها.

رسالة الحرية والتمرد

في عام 1959 قدمت الفنانة لبنى عبد العزيز في ثاني تجاربها السينمائية نموذج الفتاة القوية التي تعرف حقوقها، وتطرح أفكارها بدون خوف، من خلال فيلم "أنا حرة"، والذي يعتبر رسالة واضحة لحرية المرأة، فاجتمعت عناصر العمل لتؤكد على قيمة المرأة في المجتمع.

قدم مخرج الفيلم صلاح أبو سيف والكاتب إحسان عبد القدوس والسيناريست حينها نجيب محفوظ دعوة لحرية المرأة، التي سلبت منها بالإكراه، من خلال شخصية البطلة "أمينة" التي تعيش في مرحلة الأربعينيات وتتمرد على القيود التي تفرض عليها لمجرد أنها أنثى، ويعتبر الفيلم من الرسائل القوية للنساء على عدم اليأس في المحاربة لنيل حقوقهن وحريتهن، وهي الحرية المتزنة.

 

رؤية استشرافية لعمل المرأة

في عام 1966 قدم الثنائي شادية وصلاح ذو الفقار فيلم "مراتي مدير عام" قصة الأديب عبد الحميد جودة السحار، والذي أخرجه فطين عبدالوهاب، ويعتبر من أوائل الأفلام المصرية التي انتقدت النظرة الدونية لعمل المرأة.

الفيلم قدم رؤية مغايرة لتجارب سابقة استسلم صناعها للفكر السائد في المجتمع وقتها ما قبل ثورة 1952، مثل فيلم "الأفوكاتو مديحة"، والذي قدمته مديحة يسري ويوسف وهبي في 1950، والذي ربط عمل المرأة بتكبرها على عائلتها وخروجها عن العادات والتقاليد، وفيلم "الأستاذة فاطمة" الذي تطرق لعمل المرأة مع حبيبها أو زوجها في المجال نفسه؛ بل تفوقها عليه أيضا، لكنها في النهاية تستسلم لفكرة أن المكان الأفضل لها هو المنزل لرعاية الأبناء فقط.

وجاء فيلم "مراتي مدير عام" الذي أدان كل ما سبق واعتبر المرأة شريكا للرجل في العمل، وقد تتفوق عليه أيضا، وتعرض لقضية حقوق المرأة في العمل لكن بطريقة كوميدية ولطيفة.

المساواة وحق الطلاق

قضايا المرأة كانت محور اهتمام الفنانة ماجدة في أفلامها، التي قامت بإنتاجها وبطولتها أيضا، ففي فيلم "الحقيقة العارية" 1963 قدمت نموذج البطلة التي تهتم بعملها كمرشدة سياحية، وتتجنب تجربة الزواج خشية التحكم في حياتها، ونادت خلال الفيلم بحق المرأة في العلم بزواج زوجها بامرأة أخرى مع حقها في الاستمرار أو الرفض، وبأن يكون لها حق تحديد مصيرها في هذه الحالة.

وفي فيلم "حواء على الطريق" 1968، قدمت ماجدة شخصية الفتاة التي ترفض الزواج حتى لا تقع في أزمة تحكم الرجل في حياة المرأة قبل أن تقع في حب البطل، الذي يخدعها بأفكار زائفة سرعان ما تتحول بعد الزواج، فتقرر التهديد بالانتحار من قمة الهرم، معلنة رفضها السيطرة والتحكم من الرجال في حياتها، ماجدة خلال الفيلم انتصرت لفكرة المساواة بين المرأة والرجل ليس فقط في العمل؛ لكن أيضا المشاركة في الأعمال المنزلية، وبأن المرأة من حقها اختيار العمل الذي يلائمها .

ويعتبر فيلم "أريد حلا" 1975 أيضا للفنانة فاتن حمامة من الأفلام، التي نادت بحق المرأة في الحصول على الطلاق، من خلال رصد معاناة البطلة في نيل حريتها بعد سنوات من المعاناة وسلسلة من المشاكل والعقبات التي تهدر كرامتها.

العنف الجسدي

وبعد نزول المرأة لسوق العمل ونيلها جزءا من حريتها بالفعل، أصبحت مشاعرها الإنسانية وقصصها الحياتية مصدر الإلهام للكتاب والمخرجين، وهو ما يظهر بوضوح من خلال تجارب مختلفة.

ففي فيلم "احكي يا شهرزاد" للمخرج يسري نصر الله 2009 سلط الضوء على القمع النفسي والجسدي الذي تتعرض له النساء، ليس فقط من خلال البطلة "منى زكي" التي تتعرض للتعنيف الجسدي من زوجها؛ لكن أيضا رصده لمجموعة من حكايات النساء اللاتي يتعرضن للقهر بصور مختلفة، وكيف يتم استغلالهن من خلال الرجل.

المهمشات والحق في الحياة

تصدرت المرأة بطولة العديد من أفلام المخرج محمد خان، والذي اهتم بتسليط الضوء على مشاعر وقضايا الفتيات المهمشات في المجتمع، وحقهن في الحب والحياة، ففي تجربة "بنات وسط البلد" قدم خان من خلال قصة بطلتين أحدهما تعمل كوافيرة والأخرى بائعة في محل، التناقض في المجتمع، والذي يؤثر بدوره في معاناة نسائه، وكيف عانت البطلات حتى وصلن للحب الحقيقي، وفي فيلم "فتاة المصنع" قدم نموذجا آخر لفتاة تعيش على هامش المجتمع، وتقع في الحب، وتفاجأ برفض مشاعرها؛ لكنها تملك قدرا من القوة والثقة بالنفس مما يجعلها تنتصر.

وحمل فيلمه أيضا "في شقة مصر الجديدة" صورة شاعرية حالمة من خلال نموذج الفتاة الصعيدية، التي تذهب إلى القاهرة للبحث عن معلمتها، ويستعرض خان من خلال العمل نماذج مختلفة للنساء.

التأقلم مع الواقع

نموذج التناقضات الحياتية المختلفة عبرت عنها المخرجة هالة خليل من خلال فيلم "أحلى الأوقات"، فقدمت مشاعر المرأة من خلال 3 صديقات رصدت معاناة كل منهن؛ كيف يعانين من قسوة المجتمع والواقع الصعب الذي يعشنه، ومحاولتهن التأقلم معه، كل ذلك مغلف بالصداقة الجميلة والمحبة.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

تتنافس 9 أفلام عربية ضمن قائمة أوسكار في الدورة 93 لأكاديمية فنون وعلوم السينما في الولايات المتحدة الأميركية عن فئة أفضل فيلم دولي غير ناطق بالإنجليزية، اتفقت أغلبها في التعبير عن الصراعات العربية

Published On 5/1/2021

نجح بعض المخرجات العربيات في كسر الصورة النمطية للسينما، وخلقن مساحة إبداعية مختلفة لمشروعهن السينمائي، ففي الوقت الذي تكتسح فيه السينما التجارية، كان انحيازهن للسينما التي تخاطب العقل والوجدان.

Published On 5/12/2020
فيلم "جزائرهم"

ليس شرطا أن تمس أفلام السيرة الذاتية صاحبها فقط، وبمجرد ظهورها على الشاشة في عمل فني تتحول التجربة الشخصية إلى رحلة تعبير عن الكثيرين، فتتداخل الصراعات والأزمات والقضايا التي يتوحد معها صانع العمل.

Published On 24/2/2021
المزيد من سينما
الأكثر قراءة