رحلة في عالم الروايس.. تكريم فن أمازيغي عريق وكنوزه البشرية

الروايس جمع رايس وتعني رئيس، وهو ذلك الفن المغربي العريق الذي يعتمد على الشعر الأمازيغي الموزون.

الأغنية تتشكل من مقاطع شعرية يغنيها الرايس وتتوسطها لازمة يرددها باقي أعضاء الفرقة (الجزيرة)
الأغنية تتشكل من مقاطع شعرية يغنيها الرايس وتتوسطها لازمة يرددها باقي أعضاء الفرقة (الجزيرة)

في عقده السابع، ما زال الفنان لحسن الفطواكي محافظا على حضوره الفني، ويبدع في غناء الروايس (جمع رايس وتعني: رئيس)، ذلك الفن المغربي العريق الذي يعتمد على الشعر الأمازيغي الموزون.

ورث الرايس الفطواكي حب نظم الكلام عن والده الذي كان زجالا، مما جعله يترك حياة الرعي والفلاحة في بلدته ضواحي أزيلال وهو ابن 11 عاما، باحثا عن فرصة في الغناء.

قصد جامع الفنا بمراكش، وهناك تشرب فن الروايس على يد شيوخه، إلى أن أنشأ فرقته الخاصة التي حملت اسمه، وجال بها الكثير من المدن داخل المغرب وخارجه.

ولتوثيق هذا الموروث الفني الأمازيغي الأصيل، شارك الرايس الفطواكي إلى جانب 50 مغنيا و30 موسيقيا في تسجيل 100 قطعة موسيقية أمازيغية، في إطار مبادرة أشرف عليها الباحث في التراث إبراهيم المزند، رئيس جمعية أطلس أزوان.

ونجح المزند في جمع أشهر الروايس والرايسات الذين أبدعوا في هذا الفن في أحد أستوديوهات الدار البيضاء، لتسجيل أغانيهم التراثية بطريقة احترافية في 10 ألبومات.

يقول المزند للجزيرة نت إن هذه المبادرة هي بمثابة رحلة مقروءة ومسموعة في تراث الروايس، وتهدف إلى إثراء مكتبة التراث غير المادي، وحفظ جزء من الذاكرة الأمازيغية، وأيضا تكريم الكنوز البشرية التي حافظت عليه.

وإلى جانب تسجيل الأغاني، عمل المزند طوال عامين على تقفي آثار فن الروايس في المناطق المعروفة به، ليصدر كتاب "أنطولوجيا الروايس: رحلة في عالم الروايس" بـ3 لغات، هي: العربية والفرنسية والإنجليزية.

ويتناول الكتاب أصول موسيقى الروايس وتاريخها وتطورها عبر الزمن وإيقاعاتها الخالدة، كما يتطرق إلى مسار أهم رواد هذا التراث الأمازيغي، سواء أولئك الذين هم على قيد الحياة أو من انتقلوا إلى دار الرحيل.

الرايس لحسن الفطواكي أثناء تسجيل الأغاني في الأستوديو (الجزيرة)

كلام موزون ورباب

يقول إبراهيم المزند إن تراث الروايس -أو تريوسة بالأمازيغية- فن قديم جدا وتطور عبر العصور، وكان في بدايته يقوم على غناء كلام موزون مصحوب بموسيقى آلة الرباب، قبل أن تنضاف آلات موسيقية جديدة.

وكانت بعض المجموعات الفنية في مرحلة معينة تصاحب "هياضن" أو الرُحل الذين يجولون مناطق المغرب ويقدمون عروضا فنية متنوعة، في حين تأسست مجموعات أخرى داخل مدارس دينية، ومنهم من قدم إلى "تريوسة" من الرقص الجماعي "أحواش".

ولا يؤسس الرايس فرقته إلا بعد أن يتشرب المهنة على يد أحد شيوخها ومعلميها منذ الطفولة، فيتدرج من تلميذ إلى رايس حين يكتسب الخبرة ويثبت موهبته.

مواصفات الرايس

تشكل منطقة سوس الواقعة بين الأطلسين الصغير والكبير، الفضاء الذي نشأت فيه مجموعات الروايس، حيث انطلقت من أريافها قبل أن تنتشر في مختلف ربوع المغرب.

وبحسب المزند، فإن لرئيس الفرقة -أي الرايس- مواصفات وشروطا، أهمها الجمع بين موهبة نظم الكلام وبين التلحين والعزف والغناء، ولا يغني الرايس إلا ما يبدعه بنفسه من كلام ولحن.

وتخضع هذه الأغاني في مجملها للموسيقى السائدة في منطقة سوس، والتي تقوم على جنس المقام الخماسي، وتتشكل الأغنية من مقاطع شعرية يغنيها الرايس، وتتوسطها لازمة يرددها باقي أعضاء الفرقة.

ومن الآلات المستخدمة في غناء الروايس نجد آلة الرباب ولوتار، وهي آلة وترية أمازيغية معروفة في منطقة الأطلس، وآلة النحاس (الناقوس) التي تستخدم في ضبط الإيقاع، وأضافوا إليها مؤخرا آلات موسيقية أخرى.

أثناء تسجيل أغاني الروايس والرايسات (الجزيرة)

في الحياة إلهام

ويوضح إبراهيم المزند أن فناني الروايس يستلهمون مواضيع أغانيهم من بيئتهم ومن الأحداث التي يعايشونها. ففي فترة الوجود الاستعماري، كانوا يروون بطولات المقاومين والوطنيين وينددون بممارسات الخونة،

كما عمل الروايس من خلال أشعارهم المغناة على شحذ الوعي الديني للسكان، فقد تطرقت تريوسة لمواضيع تتعلق بالإرشاد والتوجيه الديني وعادات الناس ومعاشهم، وأحيانا كانت تصف مغامرات الروايس ورحلاتهم.

وكانت الفرق الموسيقية في الماضي تضم إليها أطفالا صغارا، ليعوض هؤلاء بأصواتهم الرقيقة غياب الأصوات النسائية، لكن في العقود الماضية اقتحمت النساء هذا المجال الفني وأسسن فرقهن الخاصة.

وتقدم الرايسات أغاني تحكي معاناة المرأة الأمازيغية وحياتها اليومية وكفاحها في ظروف العيش الصعبة بالجبال، ومن أبرز هؤلاء الرايسات نجد: رقية الدمسيرية وتاباعمرانت وتيحيحيت عائشة تشنويت وغيرهن.

ويأتي هذا العمل التوثيقي الذي اشتغل عليه إبراهيم المزند لحفظ تراث الروايس، جزءا من مشروع ضخم بدأه الباحث منذ سنوات، وكان قد استكمل سنة 2018 العمل على مشروع "أنطولوجيا العيطة"، حيث أصدر كتابا عن تاريخ العيطة (لون غنائي) وتفريعاتها وأبرز روادها، وجمع أبرز فنانيها لإعادة تسجيل أعمالهم في 10 أسطوانات.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

الأزمة الصحية التي يعاني منها العالم جراء انتشار كورونا، وضعت على عاتق العديد من الأشخاص مسؤولية كبيرة لمحاربته، وفي السودان شارك فنانون ونجوم كرة قدم في إطلاق مبادرة توعية غنائية لمواجهة كورونا.

المزيد من موسيقى وغناء
الأكثر قراءة