بلا ملامح أو معنى.. لهذا تثير النصب والتماثيل الجديدة السخرية والغضب في العراق

أعمال ونصب فنية بلا ملامح أو معنى برزت في السنوات الأخيرة وأثارت سخرية العراقيين

تمثال الأسد كلف نحو 54 ألف دولار وأثار سخرية العراقيين (مواقع التواصل)
تمثال الأسد كلف نحو 54 ألف دولار وأثار سخرية العراقيين (مواقع التواصل)

عرف العراقيون الفن والنحت منذ القدم، وبرزت على مدى قرون أعمال فنية شكلت علامة فارقة في تاريخ الفن في وادي الرافدين، إذ لا تزال هناك آثار ونصب فنية شاخصة أبهرت العالم، لكن سلالة الإبداع لم يكتب لها الاستمرار، وبرزت في السنوات الأخيرة أعمال فنية بلا ملامح أو معنى، وأثارت سخرية العراقيين.

ومنذ سنوات، كانت الساحات العامة والأماكن المهمة توضع فيها أعمال لم تبرز فيها اللمسات الفنية التي تثير انتباه المواطنين، لكنها سرعان ما تحولت إلى مادة للسخرية والضحك على نطاق واسع في مواقع التواصل الاجتماعي.

وفتحت تلك الأعمال الباب أمام تساؤلات كبرى عن مستقبل النحت العراقي، لا سيما بعد ظهورها في ساحات عامة في عدة محافظات جنوبي العراق، مما يثير المخاوف أكثر بشأن اتساع التشوه البصري وانحسار الأعمال الفنية التي تحمل بصمة جمالية واضحة.

مختصون يرون أن انخراط الدخلاء في الفن تسبب في تردي الأعمال النحتية شكلا ومضمونا (الجزيرة)

دخلاء

يقول الفنان والأكاديمي بجامعة ذي قار أياد حياوي إن الواقع الفني في ترد مستمر، خاصة ما يتعلق بالأعمال الفنية الخاصة بالنصب النحتية، حيث نشاهد ترديا في اختيار المضمون والأشكال الفنية لأسباب كثيرة؛ لعل أبرزها انخراط الدخلاء في الفن واعتبارهم أسماء وفنانين.

وقد أعطت الحداثة -كما يقول حياوي للجزيرة نت- المجال لانخراط هؤلاء من دون دراسة أكاديمية، وساعدهم في الدخول للساحات الفنية وجود السلطات المحلية التي "لا تفهم ولا تفقه في الفن".

وحسب حياوي، فإن الأعمال الفنية أصبحت اليوم مثل المشاريع الوهمية التي تحصل في العراق، والتي تدخل فيها السرقة، بمعنى أن الأشخاص الذين في السلطة وعبر الواسطة يأخذون هذه المشاريع على اعتبار أن فيها مكسبا ماديا.

حجاب اعتبر أن مشاريع إقامة النصب والتماثيل يشوبها الفساد الإداري والمالي (الجزيرة)

فساد مالي

قبل شروع الفنان في العمل على نصب تذكاري تحت أي مسمى عليه أن يضع في الحسبان الروح الجماعية لهذا النصب، وللأمانة هنا يجب ألا يفكر بروح الفرد مطلقا إلا من أسلوبه فقط، وهنا يجب أن تعمل المؤسسة الراعية ليس في التدخل في حرية الفنان بل في تنظيم التنوع في الاختيار، وهذا ما لا نجده حاليا، كما يقول المهتم بالفن والنحت جابر حجاب.

ويؤكد حجاب للجزيرة نت أنه في مثل هذه المناسبات على الدولة أن تعمل على اتخاذ الطرق المعروفة والمعمول بها لاختيار النموذج الصحيح والأفضل، بعيدا عن الضغط السياسي والأيديولوجي، وهذا ما لا نراه عند المؤسسات الحكومية مطلقا، بل إن هناك قرارات فردية في إقامة مثل هذه المشاريع، ولا يخلو الأمر من الفساد الإداري والمالي.

وأصبح النصب التذكاري -كما يقول حجاب- يقام في الساحات بعيدًا عن وزارة الثقافة ولجانها، وأمرها صار مناطا بالمقاول الذي يتسلم مشروع التطوير، حيث تكون له حرية اختيار الفنان لملء الساحة بأي شيء كان من كتل معدنية رخيصة، وهذا بالطبع خاضع لما يتوفر من الرصيد المالي القليل المتبقي له من المناقصة.

وأرجع حجاب ذلك إلى ضعف الرقابة المسؤولة عن إقامة التماثيل والنصب، مشددا على أن أي فنان يحترم عمله ومنجزه لا يستطيع العمل في ظل هذه الأجواء العملية المريضة.

نصب الشهداء في ذي قار كلف نحو 68 ألف دولار (الجزيرة)

تسميات فكاهية

ومما يثير الجدل والسخرية لدى العراقيين في كل عمل نحتي أن التكاليف المالية لتلك الأعمال تكون باهظة وصادمة، حسب معلومات متداولة؛ ففي النجف كلف تمثال "أسد الله الغالب" 79 مليون دينار (نحو 54 ألف دولار)، في حين كلف نصب "الشهداء" في ذي قار 99 مليون دينار (نحو 68 ألف دولار).

وأطلق المدونون تسميات شعبية فكاهية مختلفة على النصب التي أثارت سخرية الناس؛ ففي الناصرية سُمي تمثال المرأة السومرية "السعلوة" بسبب منظرها البشع، في إشارة إلى أسطورة "السعلوة"، وهي حكاية من الموروث الشعبي، في حين أطلقوا على تمثال صقر كربلاء "صكر أفليح"، وهي حكاية تضرب للفشل لشخص يدعى فلاح كان لديه صقر يصيد الأفاعي ويرميها عليه، وفي البصرة أطلق المواطنون على نصب فني يحمل دلالة عن النفط تمثال "الباذنجانة" بسبب شكله الذي يشبه الباذنجانة، وكلف ما يقارب 8 مليارات دينار عراقي (نحو 5 ملايين و475 ألف دولار).

ولم تصمد هذه الأعمال النحتية أمام سخرية المواطنين في مواقع التواصل الاجتماعي، حيث اضطر كثير من أصحاب هذه الأعمال أو الجهات المسؤولة عنها إلى إزالتها أو محاولة ترميمها أو تعديلها بشكل آخر هربا من تسليط الأضواء عليها وكشف حقيقة الأعمال التي تقدمها وترهق ميزانية البلد بلا نتائج مثمرة.

عجيل أكد أن الفساد المالي يبعد الفنانين الحقيقيين عن المشاركة في المشاريع الفنية (الجزيرة)

الفنان المقاول

ويؤكد حجاب أن من وصفهم بالفنانين المقاولين عاجزون منذ فترة طويلة عن تقديم الروح الجماعية للنصب التذكارية، ولهذا فهم لا يتورعون عن إظهار أيديولوجيتهم السياسية، ومع ضعف مضمون العمل نجدهم لا يقدمون شكلًا إبداعيًّا يشُد البصر إليه، بل نجدهم يتعكزون على صور جاهزة وخطابات فئوية يحاولون من خلالها المخاطبة بروح المظلومية.

ويضيف أن "الغريب في هذه المشاريع أنه لا يذكر اسم الفنان إلا عند افتتاح العمل، ومع هذا الظرف أصبح الفنان مسؤولا عن تشويه الذوق العام لا عن تربيته وترقيته، ولا أعفيه من انحطاط ذوق الجماهير الواضح، وهنا يحق القول إن المشاريع الفاسدة لا تجذب إلا الفنان الرخيص".

لذا فالنصب التذكارية لا يمكن أن تظهر إلا في الأوقات التي يسود فيها وعي موحد وثقافة موحدة، أما المراحل العابرة فلم يكن في مقدورها خلق أية نصب تذكارية دائمة.

الأعمال الفنية هذه الأيام ينفذها أشخاص غير مناسبين، لهم صلة بالمسؤول المعني الذي بدوره ينظر للأعمال النحتية ويقدرها بصورة عشوائية، كما يقول النحات ساجد عجيل.

ويضيف عجيل -خلال حديثه للجزيرة نت- أن العمل الفني فكرة قبل أن يكون جسدا أو صرحا، مع مراعاة الزوايا والفضاء المحيط به، وثمة أشكال وأعمال كثيرة غير منظمة وعشوائية وبلا دلالة، وهذا دليل كبير على حجم الفساد الذي يبعد الفنان والنحات الحقيقي عن هذه المشاريع، ويقرب أشخاصا لا علاقة لهم بالفن.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

كسر الفنان إياد الجاسم القاعدة التقليدية في صناعة آلة العود الموسيقية الوترية من الخشب، وصنعه من البلاستيك، وذلك لمقاومته كافة الظروف الجوية التي قد تؤثر على العود الخشبي.

20/11/2020

أثار المسلسل التلفزيوني “فايروس” جدلا بالشارع العراقي تمخضت عنه ردود أفعال متباينة لاسيما أنه يتناول العلاقات بين طلاب الجامعة وسلوكياتهم والألفاظ التي يتحدثون بها، واستخدامهم الخاطئ للتكنولوجيا.

12/2/2021
المزيد من فن
الأكثر قراءة