"الرجل الأعمى الذي لم يرغب في مشاهدة تيتانيك" تجربة جريئة بنكهة سينمائية فريدة

تبدو القصة ميلودراما سوداء، إلا أن الأمل وحب الحياة هو الرسالة التي يتضمنها الفيلم المليء بالمشاعر الإنسانية

اهتمام المخرج بالتفاصيل الصغيرة أعطى للفيلم مصداقية وبعدا واقعيا (مواقع التواصل)

اللغة السينمائية المختلفة والمغايرة جعلت فيلم "الرجل الأعمى الذي لم يرغب في مشاهدة فيلم تيتانيك" (The Blind Man Who Did Not Want to See Titanic) من بين الأفضل ضمن الأعمال التي عرضت مؤخرا، كما شارك في الدورة الخامسة لمهرجان الجونة السينمائي، فلم يكن غريبا حصوله على جائزة أفضل فيلم.

الحالة الإبداعية التي صنعها المخرج نيمو بيكي جعلت التجربة بعيدة عن الصورة التقليدية التي يتم تقديمها عن الكفيف في السينما، بجانب اقترابه من التفاصيل الحقيقية للشخصية فبطل الفيلم صديقه الممثل بيتري بويكولاينين والذي يقدم أول بطولة سينمائية له، حيث فقد بصره بالفعل وتدهورت صحته لإصابته بمرض التصلب العصبي المتعدد، فكتب المخرج العمل خصيصا لتحقيق حلم صديقه الممثل.

الاجتهاد في التفاصيل

اختيار بطل الفيلم والذي قدم شخصية "ياكو" أضاف للعمل حالة من الواقعية والمصداقية في نقل صورة حقيقية لمعاناة البطل، بجانب اهتمام المخرج بالتفاصيل الصغيرة، مثل الاعتماد على الصوت لنقل المشاعر، وهو ما ظهر في الجهد الواضح والمبذول من الممثلين الذين بدوا بصورة ضبابية ليعيش الجمهور نفس حالة البطل.

وعلى الرغم من تقديم بيتري بويكولاينين شخصية أقرب إلى واقعه فإنه يستحق جائزة أفضل ممثل التي حصل عليها، فقد استطاع التعبير ليس فقط بصوته ولكن أيضا بملامح الوجه على المواقف المختلفة التي يمر بها البطل خلال الأحداث، حيث تركز الكاميرا على تعبيرات وجهه طوال الوقت، بجانب الاعتماد على حاسة اللمس والسمع، فظهر أداؤه ساحرا ومشحونا بين العاطفة والتوتر، حيث أظهر الدور قدراته التمثيلية.

كسر النمطية

نجح السيناريو في كسر الصورة النمطية للأعمال السينمائية التي تتناول شخصية الكفيف، فاعتمد على فكرة تعلق البطل بالسينما والأفلام، واحتفاظه بمكتبة الأفلام التي كان يملكها قبل إصابته، فيبدو شخصية منطلقة ساخرة، مما يضفي حالة من الكوميديا في بعض المشاهد، كما ابتعد عن تقليدية تقديم شخصية المرضى.

المرض خلال أحداث الفيلم ليس بالضرورة أمرا كارثيا، لكنه قدّم التجربة بمنظور سينمائي جديد من خلال "ياكور" الذي يسعى لتحقيق حلمه في مقابلة الفتاة التي تعرف عليها وأحبها ويجمعهما سويا حب السينما والأفلام، وإن كانت لكل منهما وجهة نظر مختلفة، ولكن حين يعلم بمرضها بالسرطان يقرر المغامرة والتمرد على إعاقته من أجل لقائها، حتى بعد أن يقع فريسة لصوص يستغلون حالته الصحية.

تبدو القصة ميلودراما سوداء، إلا أن الأمل وحب الحياة هو الرسالة التي يتضمنها الفيلم المليء بالمشاعر الإنسانية، سواء من قصة الحب التي تجمعه بالبطلة التي لا تظهر سوى في آخر لقطة بالفيلم، وأيضا عشقهما للأفلام حتى وإن كان رافضا لمشاهدة تيتانيك، فتصبح قصة الحب هي منفذ كل منهما للحياة والتمسك بالأمل، فالمرض لم ينه شغفه وحبه للأفلام أو الحياة وليس عائقا أمام مشاعره.

رؤية بصرية

التميز الشديد في اللغة البصرية للفيلم هو الأكثر تفوقا من بين العناصر، فاختيار المخرج نيمو بيكي الرؤية الضبابية طوال مدة الفيلم، بجانب ارتفاع زاوية كاميرا التصوير وقطع الزوايا المتعددة على وجه البطل، نجح في نقل المعاناة التي يعيشها البطل الكفيف "ياكو" أو بيتري بويكولاينين، بجانب اللقطات القريبة للبطل طوال المشاهد، فلا نميز شيئا من باقي الممثلين المشاركين سوى صوتهم فقط، وهو ما يوحد المشاهد بمشاعر البطل فلا يكون منفصلا عنه.

جرأة التناول

السرد واللغة الإخراجية التي اعتمدها المخرج أسهما أيضا في تقديم تجربة سينمائية جريئة، حيث اعتمد على استخدام لغة التصوير الرمادية، والفكرة الجريئة في تقديم المرضى بصورة غير تقليدية وغير معتادة على السينما، كما جازف بالاعتماد على تعبيرات البطل فقط دون ظهور باقي أوجه الممثلين، ما منح الفيلم تميزا واختلافا سينمائيا. بجانب الإلمام بالتفاصيل، مثل التطبيق الصوتي المساعد لذوي الاحتياجات الخاصة، واعتماده على الهاتف الخلوي في كافة تفاصيل الحياة، والمساعدة اليومية.

"الرجل الأعمى الذي لم يرغب في مشاهدة تيتانيك" تجربة سينمائية نجحت في تغيير الصورة النمطية للمرض على الشاشة، بجانب الاعتماد على طريقة إخراجية مختلفة أبرزت تفوق العناصر مثل التمثيل والصورة والسيناريو والمونتاج أيضا.

المصدر : الجزيرة