حرب الـ30 عاما.. صراع البروتستانت والكاثوليك الذي أثرى الفن التشكيلي

شارك السواد الأعظم من الرسامين في الصراع الدائر بعدد لا يحصى من اللوحات التي تنطوي على رسائل دينية

لوحات الرسامين قدمت رؤية واقعية لحرب الـ30 عاما بين الكاثوليك والبروتستانت (مواقع التواصل)

تسمى حرب الـ30 عاما، دارت رحاها بين الكاثوليك البروتستانت في الفترة من 1618 إلى 1648 في كافة أرجاء أوروبا، قضى 12 مليون أوروبي نحبهم فيها، وانخفض عدد سكان ألمانيا بنسبة 30% في المتوسط (انخفض عدد الذكور الألمان بمقدار النصف تقريبا)، وفي أراضي براندنبورغ بلغت الخسائر النصف، في حين أنه في بعض المناطق مات ما يقدّر بثلثي السكان، كما انخفض عدد سكان الأراضي التشيكية بمقدار الثلث.

ولد الصراع من التفكك السياسي للإمبراطورية الرومانية المقدسة التي تعود إلى قرون، وبالنسبة للكثير من المؤرخين كان الصراع في البداية عبارة عن طائفية صغيرة تحولت في النهاية إلى حمام دم دولي شاركت فيه ما يقارب 20 دولة أوروبية، وضعت الحرب أوزارها في النهاية بأن بسط البروتستانت سيطرتهم كاتبين بذلك صفحة جديدة من تاريخ أوروبا التي ستمضي نحو سياسات أكثر تحررية، ليس فقط على المستوى الديني، بل والسياسي أيضا، الأمر الذي شكّل وجه أوروبا الحديث.

فرضت حرب الـ30 عاما وما تلاها من حراك سياسي أنماطا فكرية وثقافية مختلفة، ودفعت نحو أطر جديدة للفنون التشكيلية والرسم بشكل خاص بوصفها الأداة الإعلامية المستخدمة في تلك الفترة، شارك السواد الأعظم من الرسامين في الصراع الدائر بعدد لا يحصى من اللوحات التي تنطوي على رسائل دينية من شأنها رفع ذكرهم عند الفريق المتقدم في مواقعهم الجغرافية.

الحرب على أرض اللوحة

قدم الرسام الفلمنكي ديفيد تينرز الأكبر (1582-1649) عددا كبيرا من اللوحات التي سجلت ما تخلل حرب الـ30 عاما من دموية وقتل وعنف ودمار بين أتباع المذهبين كليهما، ونرى في لوحته جنودا يهاجمون قرية (سنة 1648)، وكيف يمسك جندي يحمل السلاح بتلابيب رجل دين خلال معركة حامية الوطيس تدور في خلفية اللوحة وفيها من الجرحى والقتلى ما لا يمكن إحصاؤه.

جندي يحمل السلاح ويمسك بتلابيب رجل دين خلال معركة حامية الوطيس (مواقع التواصل)

كذلك نرى في لوحة الرسام السويدي كارل واللبوم (1810-1858) وفاة الملك غوستاف الثاني أدولف ملك السويد في معركة لوتزن (1855)، عرض مسرحي حي للحظة قتل الملك وسط حشد من الخيول والجنود المتصارعين في القتال، حتى أن صهيل الخيول وهي تسقط وصرخات الجنود وهم يُقتلون تكاد تخرج من اللوحة.

يظهر الملك غوستاف الثاني في منتصف اللوحة وقد قضى نحبه وهو يسقط عن فرسه ومن حوله الكثير من الخيول والجنود، في مشهد درامي ديناميكي، الألوان ثرية ومتقدة وتعبر عن حالة الحراك الدائرة، كما برع واللبوم في إظهار تعبيرات وجوه الجنود والخيل وما ألمَّ بهم من طعنات وأوجاع دامية.

لوحة موت الملك غوستاف الثاني (مواقع التواصل)

اغتصاب النساء وإعدام الرجال

شأنها شأن أي حرب انطوت حرب الـ30 عاما على الكثير من الانتهاكات التي تتناقض كليا مع ما يدعيه كلا الفريقين من نصرة مذهبهما الديني، شهدت الكثير من القرى والبلدان ساحات إعدام عامة، شنق الكثير من السكان الذين لا ناقة لهم ولا جمل في الحرب الدائرة، كذلك اغتصبت النساء وكن عادة ما يلجأن للهرب والاختباء للنجاة بأبدانهن.

وقدم الرسام الباروكي جاك كالوت (1592-1635) في رسمته التوضيحية "ويلات الحرب" عرضا مسرحيا لإحدى تلك الساحات والتي يصفها الناقد الفني المعاصر باتريك ميلتون بأنها "قد تكون هذه سوريا اليوم لكنها أوروبا في منتصف القرن الـ17 في ذروة حرب الـ30 عاما".

لوحة "ويلات الحرب" للرسام الباروكي جاك كالوت (مواقع التواصل)

هناك رجال عدة مشنوقون يتدلون من جذوع شجرة ضخمة، وآخرون لقوا حتفهم بسبب الطعن أو التعذيب، تقدم نساؤهم أشياء ثمينة لإنقاذ حياتهن أو يهربن خوفا من نفس المصير أو ما هو أسوأ: الاغتصاب والتعذيب، وعلى حد تعبير ميلتون "كل أولئك قُتلوا باسم الرب".

حال النسوة الهاربات من القتال لم يكن هو الآخر طيبا، عانى معظمهن الجوع وهلك معظمهن في البحث عن مأوى آمن وعمل يصرف عنهن شر الفاقة، وقدم الرسام التشيكي بيتر ميكسنر (1831-1884) في لوحته "فلاحون فارون من الحرب" المرسومة عام 1628 واحدة من أشهر اللوحات التي سجلت مآلات النساء والفلاحين الفقراء.

لوحة "فلاحون فارون من الحرب" (مواقع التواصل)

ثياب رثة بالية ووجوه ذابلة مرتعبة وأجواء درامية داكنة لعدد من الفلاحات يتوسطن رجلا يحمل فأسه، والظاهر أنه رب أسرة يحمي زوجته وطفليه وحوله جمع من الرجاء والنساء، بعضهن سقطن على الأرض وأخريات ينتحبن، وفي الخلفية تجلس امرأة على فرس وتضم رضيعيها إليها بوجه يائس.

"كانت إراقة الدماء والاغتصاب والسرقة والتعذيب والمجاعة أفضل بالنسبة للكثيرين من أن يكونوا محاطين بأشخاص معتدلين دينيا" بحسب قول المؤرخة الإنجليزية سيسلي فيرونيكا ويدجوود عن حرب الـ30 عاما.

المصدر : مواقع إلكترونية