لؤلؤة بلاد فارس.. أصفهان وفنونها المعمارية الخالدة

ISFAHAN, IRAN - December 31, 2011: Sheikh Lotfollah Mosque at Naqsh-e-Jahan Square in Isfahan, Iran.; Shutterstock ID 1067545673; purchase_order: ajnet; job: ; client: ; other:
مسجد الشيخ لطف الله أول مبنى ضخم يقام في أصفهان تحت حكم عباس الأول (شترستوك)

تعدّ إيران -وفقا لمنظمة اليونسكو- من أكثر دول العالم ثراء على المستوى التاريخي والأثري، فهي تحتل المركز العاشر من حيث عدد المواقع التاريخية الضاربة في القدم، كما تعدّ أصفهان إحدى أقدم مدنها وأكثرها شهرة تاريخية لدرجة أن اليونسكو تصنفها "مدينة تراث إنساني" بسبب الكم الهائل من الأماكن التراثية التي لا تزال وجهة سياحية لكثير من الزوار بعد أن كانت وجهة للمستعمرين في ما مضى.

يندمج في أصفهان وجها الماضي والحاضر، حيث يظهر فيها تاريخ بلاد فارس العتيق جليا واضحا في صروحها المعمارية ومراكزها الفنية، ويُسمع فيها وقع أقدام العالم الحديث لكن من دون أن يطأ وجهها الأسطوري الساحر الذي تميزت به عبر العصور؛ لتنافس بذلك أكثر المدن أثرية، ليس في أنحاء العالم فحسب، بل حتى في الداخل الإيراني.

وقال عنها أبو يحيى زكريا القزويني في كتابه آثار البلاد وأخبار العباد إن "أصفهان مدينة عظيمة جامعة لأشتات الأوصاف الحميدة من طيب التربة، وصحة الهواء، وعذوبة الماء، وصفاء الجو، وصحة الأبدان".

المدينة العنقاء

تتمتع أصفهان اليوم بكثير من الصروح المعمارية التي تخلق علاقات مكانية خاصة، تعطي للمدينة هويتها المميزة في العمارة والتخطيط الحضري من دون انسياق نحو أنماط العمارة الأوروبية الحديثة.

إلا أن الحال لم يكن دوما هكذا، فقد دُمّرت المدينة مرات عدة بحكم النزاع والحروب التي دارت رحاها في تلك المنطقة، كذلك تعاقبت على حكم بلاد فارس نفسها سلالات مختلفة كانت لكل منهم ثقافتها الخاصة في النمو الحضري والتمدن، ومع ذلك، ظلت المدينة كالعنقاء تنهض من تحت الرماد وتبني مجدها من جديد في كل مرة تطحنها المعارك والحروب.

والسبب في ذلك هو اهتمام حكام أصفهان من السلاجقة والصفويين، ومن سبقهم بالعمارة وفنونها، فشيّدوا الجسور وبنوا القلاع والمساجد، حتى أطلق عليها سُكانها "أصفهان نصف جهان" (بالعربية: أصفهان نصف العالم)، فكنوزها أهّلتها لتلك المنزلة عن جدارة وكذلك تاريخها.

وكما يقول الناقد الفني الإيراني جمشيد نور صالحي فإن "الفترات الرائعة للحضارة الإنسانية اقترنت دائما بالترويج لثقافة معمارية خاصة، وتخطيط حضري مميز لأن هذا ما يدل على الارتقاء الثقافي للأمم".

Imam Mosque at Naqhsh-e Jahan Square in Isfahan, Iran. It is know as Shah Mosque.أصفهان يندمج فيها وجها الماضي والحاضر (شترستوك)

ماضي أصفهان المجيد

تنقل القصص والحكايات الشعبية المتوارثة مثل "الشاهنامة" طبيعة فنون وجماليات منطقة أصفهان وبلاد فارس في العالم القديم، كما أنها تعطي عددا من التصورات الأولية عن المباني المعمارية الفريدة والرائعة المؤسسة للمنطقة، إلا أن هندسة العمارة الفريدة للمنطقة تظهر واضحة في القرنين الـ11 والـ12 مع وصول السلاجقة الأتراك إلى الحكم عام 1038.

ويرى البروفيسور كيم س. سيكستون، من قسم العمارة في جامعة أركنساس، أن السلاجقة زرعوا أفكارا هيكلية إبداعية وجريئة في إيران فضلا عن مفاهيم مكانية جديدة، من شأنها أن تصلح في ما بعد كأساس للتطورات المعمارية الصفوية، فقد برع السلاجقة الأتراك في تصميم القبب الكبيرة كما روّجوا لعادات تنظيم المباني الحضرية المهمة حول الميادين المفتوحة والساحات الكبيرة.

ويعطي ميدان "نقش شاه" (المعروف أيضا باسم ميدان الإمام) صورة واضحة لهذه الفلسفة الفنية، حيث تبلغ مساحة الميدان 9 هكتارات ويعدّ ثاني أكبر ميدان في العالم بعد ميدان تيانانمين في الصين، وهو مدرج على قائمة اليونسكو للتراث العالمي بوصفه معلما أثريا، فقد بُني في أوائل القرن الـ17 على يد عباس الأول (السلالة الصفوية) في وقت كانت فيه أصفهان عاصمة إيران.

ويعزى لعباس الأول كثير من الفضل لما وصلت إليه أصفهان كدرّة معمارية إسلامية فارسية إذ ضخ كثيرًا من رأس المال والعمالة لتشييد الجسور ومدّ الطرق التي تخدم طريق الحرير، كذلك رمّم عباس عددًا كبيرًا من الصروح السلجوقية مثل مسجد الجامع باستخدام البلاط الملون والفسيفساء، وأمر بإضافة مئذنتين إلى الإيوان الرئيسي، ومضى في تلميع كل ما قد يبرز جمال أصفهان العاصمة الإستراتيجية التي استقر فيها.

Isfahan, Iran - 23 October, 2018: Amazing sanctuary and two ancient wooden carved stands used for preaching inside the Jameh Mosque of Isfahan. Awesome interior of the Muslim place.; Shutterstock ID 1463964269; purchase_order: ajnet; job: ; client: ; other:في أصفهان ما يزيد على 162 مسجدا و48 مدرسة و1802 من المباني التجارية و283 حماما باقية منذ القرن الـ17 (شترستوك)

مسجد الشيخ لطف الله

ويعدّ مسجد الشيخ لطف الله (1603-1619) أول مبنى ضخم يقام في أصفهان تحت حكم عباس الأول، وكان الشيخ لطف الله شيعيا يتكلم العربية وأستاذا للشريعة ومقرّبا من عباس الأول، وأمر عباس الأول ببناء المسجد تيمنا به على طراز مستحدث ضمّ نوعين معماريين تقليديين.

المسجد بأكمله عبارة عن مساحة مقببة مخططة مركزيا، وهي النموذج المعروف للأضرحة وليس المساجد، لكن هذا المبنى لا يضمّ ضريحا، ويغطي البلاط المتعدد الألوان السطح الخارجي ويشبه سجاد الصلاة، كما تغطي أعمال فسيفساء دقيقة قوس المدخل فيبدو كالمساجد، وعلى الرغم من أن استخدام البلاط المتعدد الألوان كزخرفة سطحية كان معروفا في فترات أخرى من تاريخ المنطقة، فإن الصفويين هم الذين أسسوا لفلسفة الألوان كأبرز سمات العمارة الفارسية.

ويصف كيم س. سكستون جمال العمارة في أصفهان قائلا إن "هذا الميل إلى الزخرفة السطحية المتقنة هو انتصار للغرض الجمالي الفارسي على القيم الدنيوية المعقدة (الأرابيسك والزخارف النباتية والنقوش الكوفية والسجاد المقلد)؛ كل هذا يخفي هيكل العمل ويمنع المشاهد من التفكير في طريقة عمل القوانين الفيزيائية التي تحافظ على المبنى قائما، ومن ثم يمكن جعل مبنى ضخم يبدو عديم الوزن إلى حد ما كأنه معجزة دنيوية أخرى تحوم على الأرض".

اليوم، يقف في أصفهان ما يزيد على 162 مسجدا و48 مدرسة و1802 من المباني التجارية و283 حماما باقية منذ القرن الـ17، كل تلك الصروح تشهد على مقدار العبقرية والموهبة التي جعلت أصفهان، المنطقة الصحراوية العادية على طريق الحرير، مدينة تختصر نصف العالم.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

تتمتع أفغانستان -التي تقع على مفترق طرق التجارة الرئيسية- بتاريخ طويل ومعقد، كما يحمل تراثها الثقافي الغني بصمة العديد من التقاليد، بدءا من اليونان وإيران ووصولا إلى سهول أوراسيا والصين.

Published On 22/8/2021

في منزله البسيط جنوب العاصمة الأردنية عمّان، يملأ الشيخ جمال الباشا جدران بيته بالجداريات الفنية التي تختزل عصورا من الجمال المعماري الأصيل، الذي يعبر عن مشاعره تجاه الحقبة التي عاشها في العراق.

Published On 16/5/2021
المزيد من فن
الأكثر قراءة