أنور وجدي.. صانع السينما الاستعراضية الذي أنهى مرض وراثي حياته

الفنان الراحل أنور وجدي ولد يوم 11 أكتوبر/تشرين الأول 1904 (مواقع التواصل)

الذكاء الشديد إلى جانب الموهبة جعلا الفنان الراحل أنور وجدي -الذي تحل ذكرى ميلاده الـ117 يوم 11 أكتوبر/تشرين الأول- من أهم صناع السينما العربية في أربعينيات القرن الماضي، ورغم وفاته في الخمسينيات من عمره، فإنه أثرى السينما بنحو 70 عملا سينمائيا، ممثلا ومنتجا ومخرجا ومؤلفا أيضا ومكتشف مواهب.

الفقر والإبداع

"من رحم المعاناة يولد الإبداع" عبارة تنطبق على أنور وجدي الذي ولد في 11 أكتوبر/تشرين الأول عام 1904 بحي الظاهر في مدينة القاهرة، حيث انتقل والده من حلب إلى مصر بعد تعرضه لأزمة مالية شديدة، فعاش أنور وجدي طفولة قاسية وعانى الحرمان، مما جعله يصمم على النجاح وجمع المال في الوقت نفسه.

ساعده على ذلك دراسته في مدرسة "الفرير" الفرنسية وهو صغير، وهي المدرسة التي درس فيها كثير من الفنانين في تلك المرحلة، ومنهم فريد الأطرش وأسمهان ونجيب الريحاني والمخرج حسن الإمام، لكن أنور وجدي اكتفى بقسط من التعليم، وقرر أن يبدأ مشواره الفني مبكرا ليحقق حلمه بالنجاح والثراء.

الهجرة إلى هوليود

كانت عين أنور وجدي في تلك الفترة متجهة إلى العمل في هوليود، وفكر في أن يهاجر إلى الولايات المتحدة مع اثنين من زملائه، إلا أن المحاولة فشلت وطرده والده بعد أن علم برغبته في أن يكون ممثلا، وهو ما جعل أنور وجدي يذهب إلى شارع عماد الدين المليء بأهل الفن.

خبرات متنوعة

العبقرية الفنية التي وصل إليها أنور وجدي لم تأت من فراغ، فقد تدرج فنيا إذ بدأ مشواره بالعمل في وظيفة ريجسير (الشخص الذي يوصل المخرج والمنتج بالفنانين المناسبين للأدوار) براتب 3 جنيهات في الشهر في فرقة رمسيس مع الفنان الراحل يوسف وهبي الذي عمل أيضا سكرتيرا له، ورشحه وهبي بعد ذلك لدور صغير في مسرحية "يوليوس قيصر".

تدرج أنور وجدي في العمل المسرحي، ثم انتقل إلى فرقة عبد الرحمن رشدي والفرقة القومية وقدم دورا مهما في مسرحية "البندقية"، ولكنه سرعان ما تخلى عن المسرح بعد ظهوره السينمائي الأول عام 1930 في "جناية نصف الليل" وبعدها بعامين في "أولاد الذوات".

في تلك الفترة، كان أنور وجدي يقدم أدوارا ثانوية لكنه عمل مع مخرجين من مدارس فنية مختلفة ومتنوعة منهم أحمد سالم، ونيازي مصطفى، وحسين فوزي، وفؤاد الجزايرلي، وتوجو مزراحي، ويوسف وهبي، وعبد الفتاح حسن، وكمال سليم. ونهاية الثلاثينيات، كانت فرصة أنور وجدي حين قدم دور البطولة أمام عزيزة أمير في "بائعة التفاح"، ومع فاطمة رشدي في "العزيمة".

فتى الشاشة الأول

ملامح أنور وجدي أهلته ليصبح البطل الأول في عديد من الأفلام في الأربعينيات، فقدم "ليلة الجمعة" و"القلب له واحد" و"تحيا الستات" و"كدب في كدب" و"رجاء". لكنه لم يكتف بالتمثيل، فبعد أن جمع ثروة كبيرة من الأفلام التي قام ببطولتها أسس شركة إنتاج سينمائي، إذ شارك في إنتاج الفيلم الفرنسي "أرض النيل" الذي تم تصويره في مصر، وقدم أنور وجدي دوره في النسخة الناطقة بالعربية، والناطقة بالفرنسية أيضا.

وعبر شركته، كون ثنائيا سينمائيا مع زوجته الفنانة ليلى مراد التي تزوجها في أثناء تصوير فيلم "ليلى بنت الفقراء"، فقدما معا "قلبي دليلي" و"عنبر" و"الهوى والشباب".

وكان جريئا بتقديم عمل يضم يوسف وهبي ومحمد عبد الوهاب ونجيب الريحاني وليلى مراد في "غزل البنات" و"حبيب الروح" و"بنت الأكابر"، وهي آخر أفلامهما حيث انتهى التعاون الفني بينهما بعد الانفصال.

الاستعراض

لم يبخل أنور وجدي على أعماله الفنية -منتجا ومخرجا وصانعا سينمائيا- فاستغل إمكانيات ليلى مراد الصوتية وشعبيتها الكبيرة وبرع في تقديم أهم الأعمال الاستعراضية؛ فلقد سبق عصره بتقديم لوحات استعراضية راقصة قام بتأليفها وإخراجها أيضا، واهتم بالديكورات الضخمة وملابس الراقصين في تلك الاستعراضات، ليحقق مجد ليلى مراد السينمائي بالأفلام الغنائية التي جعلتها الأعلى أجرا سينمائيا.

ولم يتوقف أنور وجدي عن تقديم الأعمال الاستعراضية بعد انفصاله عن ليلى مراد، فاكتشف الطفلة بيروز آرتين -الذي اختار لها "فيروز" اسما فنيا- وجعلها الطفلة الأشهر في تاريخ السينما المصرية، وأحضر لها مدرب رقص وأدخلها معهدا خاصا للباليه، وقدمها لأول مرة على الشاشة عام 1950 في فيلم "ياسمين" وبعده "دهب" و"فيروز هانم"، قبل أن تبدأ الخلافات بينه وبين والدها، ولم تحقق فيروز النجاح بعد انفصالها الفني عنه.

ظل أنور وجدي محافظا على نجوميته؛ فحتى قبل رحيله بعام ظل يقدم أفلاما مثل "خطف مراتي" و"قلوب الناس" و"النمر" وآخر أفلامه عام 1954 كان "أربع بنات وظابط".

مرض وراثي

وقبل وفاته بعام، كان أنور وجدي قد عاد مجددا لحبيبته الأولى الفنانة ليلى فوزي، التي تعرف عليها في أثناء تصوير فيلم "مصنع الزوجات" عام 1941 إلا أن والدها رفض زواجهما وقتها، ولكن بعد انفصاله عن ليلى مراد قررت ليلى فوزي أن تصحبه في رحلته علاجه في الخارج فقررا الزواج، لكنه رحل بعدها بـ4 أشهر فقط.

عانى أنور وجدي طوال حياته مرضا وراثيا في الكلى توفى بسببه والده وشقيقاته أيضا، وقد بدأ يشعر بالآلام وهو في بداية الخمسينات من عمره، وسافر إلى السويد وفرنسا وأجرى جراحة دقيقة، إلا أن محاولات الأطباء لم تفلح في شفائه، ليرحل يوم 14 مايو/أيار عام 1955 في مدينة ستوكهولم، وشيعت جنازته من ميدان التحرير وحضرها زملاؤه من الوسط الفني مثل فريد شوقي، ويوسف وهبي، ومحمد فوزي، وجورج أبيض، وعبد السلام النابلسي.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من فن
الأكثر قراءة