هيتشكوك الذي يرتجف من البيض والشرطة.. كيف شكلت مخاوف الطفولة ملامح أعظم المخرجين

يُعَدُّ هيتشكوك من أبرز مَن قدّموا أفلاما تقتحم مشاعرنا وتتلاعب بها ببراعة (مواقع التواصل)
يُعَدُّ هيتشكوك من أبرز مَن قدّموا أفلاما تقتحم مشاعرنا وتتلاعب بها ببراعة (مواقع التواصل)

رغم إتقان المخرج البريطاني ألفريد هيتشكوك لأفلام التشويق والإثارة حتى أنه اكتسب لقب "سيد التشويق" فإنه كان يعاني من الخوف والرهاب.

نشأ خوفه المستمر، من الشرطة، من حادثة وقعت له في طفولته، عندما عاقبه والده المعروف بقسوته وصرامته، بإرساله إلى مركز الشرطة المحلي، وهو في سن الرابعة أو الخامسة، مع ملاحظة مرسلة لمأمور القسم. يقول هيتشكوك "وضعني في الزنزانة قائلا: هذا ما نفعله بالأولاد الأشقياء".

يذكر هيتشكوك أيضا أنه كان يخشى العجة، وقال في أحد المقابلات "أنا أخاف من البيض، هذا الشيء المستدير الأبيض، لا يوجد أكثر منه إثارة للاشمئزاز، وهو يسكب السائل الأصفر. أنا لم أتذوقه أبدا".

السرد بالصورة

ربما كانت الأحداث القاسية والمخاوف الغريبة التي تحدث عنها هيتشكوك، في حواراته، سببا في الأفكار الغريبة والمثيرة التي تناولها في أفلامه، فلا يمكن أبدا تجاهل أحداث الطفولة وأفكارها في تشكيل حياة الفنان واتجاهاته.

يعتبر هيتشكوك أحد أكثر المخرجين تأثيرا على مر العصور، حيث طور أسلوبا خاصا به، وكان سببا في ظهور أنواع كاملة من الأفلام، رغم تجاهله المستمر للقواعد والقوانين، ليصور أفلامه بالطرق التي يختارها وفي المواقع التي يقررها.

يقول الناقد والكاتب توني مورال، الذي ألف 3 كتب عن هيتشكوك، إنه كان يبتكر تقنيات تصوير جديدة، لتلائم أفكاره، والصورة التي يرغب في عرضها، مثل التقنيات التي أظهرت تأثير الدوار في فيلم "فيرتيجو".

تعود أهمية الكاميرا والصورة عند هيتشكوك إلى بداياته كمخرج، في عصر السينما الصامتة، حينما كانت الصورة هي الطريقة الوحيدة للتعبير، لم تكن تقنيات الكاميرا الرائدة فقط أهم ما في الفيلم، لكن موقع التصوير بردهة فندق فيرمونت سان فرانسيسكو القديمة المهيبة لا يزال حتى الآن موقعا مختارا للعديد من المنتجين والمخرجين.

أسلوب هيتشكوك

أحيانا يريد المخرج إرضاء العين بصورة لافتة وجميلة، وأحيانا أخرى يريد أن يكون له تأثير أقوى على الجمهور، وبذلك -ومن خلال تعامله مع كل هذه الاحتمالات السردية- يكشف المخرج عن أسلوبه، والأسلوب جوهر ما يفكر فيه هيتشكوك.

والأسلوب بالنسبة له كان جزءا أساسيا من صناعة الأفلام، حيث اعتبر مهمة المخرج الأساسية إظهار ما يفعله الناس ويقولونه، ويفكرون فيه، لإيجاد حالة ذهنية وعاطفية متكاملة للجمهور، أي أن يكون تأثير الصورة مباشرا على المشاعر.

يظهر أسلوب المخرج من خلال اختياره للموضوعات، وطريقته في توجيه طاقم العمل. وقد عرف هيتشكوك بأسلوبه الفريد، لأنه يسيطر تماما على جميع عناصر الفيلم، ويرسخ مفاهيمه الشخصية في كل خطوة من خطوات الفيلم، حتى أنه يمكن التعرف على أفلامه بمجرد أن تبدأ.

وهو يهتم بمعالجة المحتوى والأفكار أكثر من اهتمامه بالبحث عن موضوعات جديدة، لذلك ربما تظهر ثيمات متشابهة بمعالجات مختلفة في أفلامه، لأنها الأفكار التي ينشغل بها. فهو مهتم بشكل أساسي بالطريقة التي يروي بها الحكاية، ويعرف كيف يصنع عاطفة بين العمل والجمهور، بدءا من وجه الممثل الذي يوظف تبعا للغرض الدرامي، حتى ترتيب الأثاث والإضاءة في أماكن التصوير.

سيناريو دون ملل

يؤمن هيتشكوك بأهمية السيناريو المفصل بدقة، والذي يجب أن يعده الكاتب بالتعاون مع المخرج، ويوضح الحوار، ووصف حركات الممثلين، وردود أفعالهم، ويعطي تفصيلا للمشاهد الفردية، مع الإشارة إلى دور الكاميرا والصوت في كل مشهد.

كما يؤكد دائما في حواراته وكتاباته أن المخرج يجب أن يكون قادرا على توقع الشكل البصري النهائي للفيلم بالتفصيل، ويطور الحبكة عن طريق خلق مواقف متواترة ناشئة عن تطور السرد، كما يقدم أغلب ما يريد قوله عن طريق الصورة، مع تجنب استخدام الحوارات الطويلة، ليؤكد من خلال تلك التقنية على أحد تعريفاته العديدة لآليات التشويق، الذي يعد أهم سمات أفلامه على الإطلاق.

تعتبر عواطف الجمهور النقطة الحاسمة في عالم هيتشكوك السردي. يستحضر هذه العواطف من خلال البنية الأساسية للصورة المتحركة، ويلعب الحوار دورا ثانويا. بالطبع لا يمكن إلغاء الحوار تماما، والاعتماد الكامل على الصورة، لذلك يقف هيتشكوك في منطقة وسط بين الطريقتين، حيث يجعل الحوار قويا، وفي الوقت نفسه يجعل المشهد ناجحا بصريا بامتياز، بمراقبة كل العناصر بدقة.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من فن
الأكثر قراءة