حصد 8 جوائز أوسكار.. "أماديوس" فيلم أشبه بأسطورة عن الطموح والهوس والغيرة

بلغت إيرادات "أماديوس" 90 مليون دولار (مواقع التواصل)
بلغت إيرادات "أماديوس" 90 مليون دولار (مواقع التواصل)

إذا أردت أن تشاهد أداءً يشبه الأسطورة عن الطموح والهوس والغيرة الشديدة، فلن تجد مثل تجسيد ف. موراي أبراهام لشخصية أنطونيو سالييري، في فيلم "أماديوس" Amadeus المأخوذ عن نص لعملاق المسرح البريطاني السير بيتر شافير وإخراج ميلوش فورمان.

سالييري موسيقار البلاط الأول في فيينا، المستقر الآمن، يتقطع قلبه حسرات وهو يرى شابا يبدو "نكرة مغرورا، ملاكا وشيطانا في نفس الوقت، يحترق كالنار ليبتكر موسيقى عظيمة". فيحتج لدى الرب قائلا ‏"كيف تُعطي مهرجا بذيئا مثل موتسارت هذه الموهبة العبقرية، وتحرمني منها وتجعلني كالأخرس". ويقرر خوض معركة ضد هذا "الفتى الفاحش".

ليأخذنا الفيلم في جولة داخل النفس البشرية مدتها 160 دقيقة، ينسج لنا فيها حكاية عن الإنسان والجنون والجريمة والغموض والانتصار والخلود، على إيقاع موسيقى موتسارت.

سر العبقرية

"أماديوس" فيلم أميركي أنتج في 19 سبتمبر/أيلول 1984، تكمن عبقريته الأولى في مخاطرة المخرج التشيكي ميلوش فورمان بنزع القداسة عن رمز تاريخي بحجم الموسيقار العالمي موتسارت. وتقديمه كما هو، طفل أحمق وغير ناضج، وإنسان فوضوي ذو ضحكة بلهاء، وليس كرجل خارق معذب، أو أنه يشع كاريزمية. لذا جاء العمل كسيمفونية مبنية بعناية من مشاهد مكتوبة وممثلة بطريقة محكمة، تضفي الضوء والحياة والضحك على أجواء مسرحية بيتر شافير الأصلية المليئة بالأحزان، فجعلت الفيلم أكثر إنسانية.

لكن عبقريته الأهم تأتي في رسم شافير لشخصية الموسيقار الإيطالي سالييري. فهو ليس موسيقيا موهوبا، لكنه كان يعمل في البلاط الإمبراطوري حتى هبط عليه موتسارت (توم هولس) بموهبته الخارقة، فبدد استقراره الرتيب وحطم قلبه بموسيقاه الجديدة التي يؤلفها بسهولة تُعجز سالييري عن تقليدها، وتجعل أعماله تبدو شاحبة ونمطية وسخيفة.

كذلك عبقرية فورمان وهو يحبس أنفاسنا من الدقائق الأربع الأولى، بتقديم سالييري على أنه ربما يكون قد قتل موتسارت، ويمشي بنا في الطرق التي قد تؤدي إلى جعل هذا الاحتمال صحيحا. حتى إذا اقتربنا من النهاية، إذا به يستدرجنا نحو الشعور بنوع من التعاطف والإشفاق على سالييري الضعيف باعتباره مجرد إنسان غيور صادف عبقرية ضخمة فضحت عيوبه بتوهجها السهل الممتنع، وأحدثت بروحه ثقوبا مظلمة من ازدراء الذات.

أما العبقرية الطاغية فقد استأثر بها النجم موراي أبراهام، وهو يلعب دور سالييري بكثافة تعبيرية نادرة. حيث يستقبلنا في مصح للمجانين، منكسرا في حالة مزرية، يهذي باعترافاته للكاهن، واصفا نفسه بـ "قديس الناس العاديين" فاقدي الموهبة، الذي يعتبر نفسه شفيعا لهم عند الله، ليغفر لهم حقدهم على النوابغ العظماء. ثم يعود بنا إلى حكايته مع الفتى موتسارت، الذي نشأ فقيرا مريضا، واستطاع أن يعمل طوال الوقت ليبدع ألحانا مذهلة.

إبداع الشخصيات وروعة الأداء

فيما يتعلق بالشخصيات الرئيسية، فقد أبدع فورمان في منحها روحا حقيقية، فرأينا شخصية الأب ليوبولد (روي دوتريس) الذي لا يمكن أن يكون مسرورا أبدا. فبعد أن اهتم بتدريب طفله العبقري، عاد وتخلى عنه لعدم رضاه عن سلوكه الفوضوي، مما أثر سلبا على نجاحاته.

والزوجة المبهجة كونستانز (إليزابيث بيرريدج) تجسد صفات الفتاة المرحة مع شريكها المحب، ولا تبخل عليه بالنصيحة لتجعل منه شخصا قويا في مواجهة التحديات.

بالإضافة إلى جوزيف الثاني (جيفري جونز) الإمبراطور النمساوي المجري، الذي يبدو بطيئا في استيعابه لموسيقى موتسارت الجديدة، لكن هذا لا يمنع أنه مفتون بفنه مستمتع بجرأته ويدافع عنه بطريقة ذكية يوازن فيها بين واجبه كإمبراطور في الظهور بجدية، وبين سعادته ببساطة وتلقائية موتسارت الطفولية، لدرجة أن يمتثل له ويُلغي حظر الباليه من الأوبرا.

الكل إذن يحبون الفتى موتسارت الذي قام بتمثيل شخصيته بأداء مبهر بحق النجم توم هولس، إلا سالييري الهزيل المُعذب بعدم كفاءته، وبعظمة موتسارت، والرافض في نفس الوقت، لن يُسلم بذلك.

تتجلى روعة أداء الشخصيات في المشهد الأكثر إثارة، والذي تدور أحداثه في فراش احتضار موتسارت، حيث يُملي الملحن العظيم، البالغ من العمر 35 عاما فقط، الصفحات الأخيرة من "قُداس الموت" على سالييري الجالس عند طرف سريره مع ريشة ومخطوطة، يتلهف على سحب أي تحفة إبداعية من دماغ عدوه المحموم، عسى أن تضيء مستقبله. فسالييري يكره موتسارت لكنه يحب موسيقاه، ولا يمكنه العيش بدونها.

ليضعنا أمام مفارقة مدهشة في جمع موراي إبراهام بين وجه سالييري وهو يُخفي الحسد والاستياء والغضب، ويضع ابتسامة على وجه بؤسه أحيانا. ووجهه أمام فراش موت موتسارت، وهو يأخذ الإملاء النهائي الذي يعرف قيمته ويدرك كم هو جيد، لكنه يعرف أيضا أنه لا يوجد شيء يحبه أكثر من نفسه، سوى موسيقى موتسارت.

الفخامة إلى حد الكمال

"أماديوس" مكتمل الفخامة، يجسد الروعة النمساوية المجرية أواخر القرن 18، بتركيبة سينمائية في غاية القوة، وصفها ديفيد شريعة مداري في صحيفة "غارديان البريطانية" (TheGuardian.com) بأنها "وليمة للعينين والأذنين والعقل" معتبرا أن وصف "باذخ" لا يكفي نقديا لإنصاف الفيلم، كما تمنى لو أن هناك جائزة أكبر من أوسكار لتمنح لأبراهام تقديرا لأدائه.

الفيلم تم تصويره في تشيكوسلوفاكيا سابقا، مسقط رأس المخرج فورمان، حيث لا تزال تحتوي على العديد من الشوارع والميادين والمباني الشديدة الشبه بفيينا أيام موتسارت. وحقق نجاحا جماهيريا كبيرا، وبلغت إيراداته 90 مليون دولار بشباك التذاكر، بميزانية قدرت بـ 18 مليونا. وحصد 40 جائزة، منها 8 أوسكار. كما صنفه معهد الفيلم الأميركي في المرتبة 53 بقائمته لأفضل 100 فيلم. وتم اختياره للحفظ في السجل الوطني للأفلام بالولايات المتحدة من قبل مكتبة الكونغرس.

المصدر : الجزيرة + مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

المزيد من سينما
الأكثر قراءة