إيرادات كارثية بعد فتح دور العرض.. التضحية بالسينما المصرية على مذبح السياسة

إيرادات فيلم "رأس السنة" بلغت 22 دولارا في الأسبوع الأول من عرضه بدور السينما (مواقع التواصل)
إيرادات فيلم "رأس السنة" بلغت 22 دولارا في الأسبوع الأول من عرضه بدور السينما (مواقع التواصل)

بعد إغلاق دور العرض السينمائية منذ بدء انتشار جائحة كورونا في مصر، أعادت الحكومة المصرية فتحها مرة أخرى منذ بداية يوليو/تموز الجاري، وذلك ضمن إجراءات تخفيف الحظر، وعودة الحياة لشكلها الطبيعي، رغم تواجد مصابين بالفعل حتى الآن.

ولكن بعيدًا عن الجانب الطبي، كان القرار يهدف -تبعًا للمعلن- إلى حماية صناعة السينما من الخسائر الهائلة التي تحيق بها، لكن هل هذا ما حدث بالفعل؟ هل المناخ الاقتصادي في مصر داعم لدور السينما أو للصناعة نفسها؟

إلغاء حفلات

في محاولة لفرض التباعد الاجتماعي على المشاهدين، قررت الحكومة المصرية السماح بعودة دور العرض السينمائية بنسب حضور 25% فقط، وهذا يعني لدور العرض وشركات التوزيع نفس تكاليف العرض السينمائي العادي، ولكن بربع الإيرادات، هذا لو حضر من الجمهور ما يكفي للوصول لهذه النسبة من الأساس.

وبالفعل، بعد أسبوع من عودة دور السينما بدأت أرقام الإيرادات تُظهر الحقيقة، فهناك أفلام -مثل "رأس السنة"- لم تحقق في الأسبوع الأول من هذا العرض سوى 352 جنيها مصريا (22 دولارا أميركيا)، وأعلى الأفلام إيرادًا في هذا الأسبوع هو الفيلم الأجنبي "طلقة دم" (Bloodshot)، حيث حقق في كل مصر أقل من 84 ألف جنيه.

وبالإضافة إلى قرار تحديد نسبة الحضور 25%، فإنه ما زال على كل المتاجر ودور العرض الإغلاق قبل العاشرة مساء، لذلك ألغت السينمات أهم حفلتين في عروضها: حفلة الساعة التاسعة مساء، وحفلة بعد منتصف الليل.

 

غياب الأفلام الجديدة

بعد الإعلان عن فتح دور العرض السينمائية، كان هناك بعض الحماس على صفحات التواصل الاجتماعي، وفرحة بين الشباب محبي السينما، الذين حُرموا منها أوقات طويلة، ولكن انقلبت هذه السعادة إلى سخرية بعد معرفة الأفلام المعروضة.

ولأن عرض الأفلام السينمائية في الخارج خاصة في الولايات المتحدة ما زال متوقفًا، فهذا يعني أنه لا توجد أفلام جديدة معروضة بالخارج، ومن ثم لن تحصل مصر على حقوق عرضها قبل العرض العالمي الأول.

وبالتالي، بدأت دور السينما عرض الأفلام الأجنبية والعربية التي كانت ما زلت معروضة قبل الإغلاق، وهي أفلام قديمة شاهدها جمهور السينما، فضلا عن أن أغلبها شوهد على المواقع "المقرصنة"، وبعضها حظي بعرض على المنصات السينمائية بصورة رسمية، مثل "رأس السنة" الذي عُرض على منصة "شاهد".

وبذلك، فإن عرض السينما أفلاما قديمة ومتوفرة على الإنترنت لا يدفع أي شخص للنزول من منزله ودفع المال والمخاطرة بالإصابة بالعدوى، مما أثر على الإيرادات بهذه الصورة المستمرة منذ بدء العرض السينمائي وحتى اليوم.

الصناعة المصرية

في الحقيقة، إن عماد صناعة العرض والتوزيع السينمائي في مصر ليست الأفلام المصرية، فعلى سبيل المثال عُرض خلال عام 2019 نحو 22 فيلما مصريا فقط، هذا أمام عدد مهول من الأفلام الأجنبية التي تُعرض في مصر على مدار العام، وهي التي تجلب الإيرادات المستمرة على أصحاب دور العرض وشركات التوزيع السينمائي.

في حين توصف الأفلام المصرية بأنها أفلام مواسم، أي تعرض بصورة أكبر في المواسم السينمائية؛ مثل عيدي الفطر والأضحى وشم النسيم وإجازة نصف العام.

وبالتالي، فإن عودة العرض السينمائي لم تترافق مع عرض أي فيلم سينمائي مصري جديد، رغم أن تصوير الأفلام والأعمال التلفزيونية لم يتوقف في مصر، مثل العديد من الدول حول العالم، وبالتالي هناك أفلام جاهزة بالفعل للعرض، لكن المنتجين يتخوفون من عدم إقبال المشاهدين عليها خوفًا من الوباء، وكذلك نسبة الحضور التي لا تتجاوز 25%، وبالتالي تكبد الخسائر و"حرق الفيلم" -بلغة السوق- بعرضه في وقت لن يحظى فيه بالقدرة الكاملة على النجاح.

يضاف إلى ذلك أن بعض الأفلام الجديدة بدأت في الاتجاه إلى المنصات الإلكترونية، حتى يحصل المنتجون على المقابل الخاص بهم مباشرة من المنصة من دون خوض قلق الخسارة أو المكسب في دور العرض، مثل فيلم "صاحب المقام" من إنتاج السبكي وبطولة يسرا وآسر ياسين وأمينة خليل، الذي أصبح "فيلم عيد الأضحى" على منصة شاهد.

ورغم أننا على أعتاب واحد من أهم مواسم السينما المصرية، وهو عيد الأضحى، فإنه لم يعلن عن أي من الأفلام الكبيرة المنتظرة بشدة، مثل "كيرة والجن"، و"البعض لا يذهب للمأذون مرتين"؛ ويرجع ذلك إلى أن المنتجين يعانون من هذا الخوف، وما زالت قراراتهم متخبطة في محاولة لحماية رؤوس أموالهم من الخسارة المنتظرة.

في الحقيقة، قرار عودة دور السينما والعرض السينمائي في مصر أعلن عنه في سياق أنه إنقاذ لهذه الصناعة، ولكنه بالفعل قرار جاء لأسباب سياسية كعلامة على بدء عودة الحياة لطبيعتها في مصر، وفي باطنه التضحية بصناعة التوزيع والعرض السينمائي في مصر، لأنها لم تعط أي سبل للنجاة، سواء على شكل أفلام أجنبية حديثة، أو أفلام مصرية جديدة، أو حتى على دعم مالي، مع قيود صعبة، وربما لو لم تحدث معجزة تكون هذه العودة سببًا في إغلاق العديد من هذه الدور، ولكن هذه المرة بسبب الأفلام وليس كورونا.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من سينما
الأكثر قراءة