ثورة المهاجرين على خشبة المسرح.. ديزني تواجه سياسات ترامب بعرض "هاملتون"

من مسرح برودواي إلى الشاشة، ديزني تهدي جمهورها عرض "هاملتون" (مواقع التواصل)
من مسرح برودواي إلى الشاشة، ديزني تهدي جمهورها عرض "هاملتون" (مواقع التواصل)

لم تدع جائحة كورونا شيئا على وجه الكوكب إلا ألقت ظلالها عليه، لكنها هذه المرة كانت سببا في إهداء العالم حدثا غير مسبوق.

فبعد تعثر إعادة تقديم المسرحية الموسيقية الأميركية "هاملتون" على المسرح، في الموعد المقرر لها 15 أكتوبر/تشرين الأول 2021، تحسبا لتداعيات تفشي الفيروس، قررت أستوديوهات ديزني شراء حق تصويرها سينمائيا مقابل 75 مليون دولارا.

وعرض فيلم هاملتون بالفعل لأول مرة في 3 يوليو/تموز الجاري، وهو يتيح للناس في المنازل مشاهدة عرض حي لموسيقى "لين مانويل ميراندا"، وهي تحكي قصة "ألكسندر هاملتون" المهاجر القادم من إحدى جزر الكاريبي، أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة الذي تتبادل الأيدي صورته على بعض فئات الدولار الأميركي.

ويرى ميراندا -المهاجر القادم من بورتوريكو هو الآخر- وبقية طاقم المسرحية (الفيلم) من الأميركيين الملونين المتنوعي الأعراق، في هاملتون تجسيدا لثقافة الهيب هوب (Hip hop) المنحازة للأقليات، وهو ما يشعرنا بأن الفيلم استدعاء للتاريخ في مواجهة سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي توصف بالسلبية تجاه المهاجرين.

لحظة ثورية

وفي مطلع هذا الشهر، رتبت "ديزني" للمشاهدين في منازلهم لقاء نادرا على مدى أكثر من ساعتين مع فيلم هاملتون، الذي تم تصويره على مسرح ريتشارد رودغرز في برودواي في يونيو/حزيران 2016، بمعظم الممثلين الأصليين الذين تألقوا في مسرحية هاملتون على مسرح برودواي لأول مرة عام 2015، والتي حققت شهرة واسعة حينها، وفازت بجائزة بوليتزر للدراما، ورُشحت 16 مرة لجائزة  توني لأفضل مسرحية موسيقية، وفازت بـ11 منها.

هاملتون المسرحية والفيلم أخرجهما توماس كايل، أما القصة فقد كتبها وأبدع موسيقاها الممثل والملحن والكاتب الأميركي لين مانويل ميراندا، صاحب دور هاملتون في الفيلم، والذي أخذ قصة ألكسندر هاملتون من السيرة التي كتبها رون تشيرنو عام 2004، وأعاد صياغتها بمزيج عبقري من موسيقى الهيب هوب والراب، ليفجر منها لحظة ثورية كان لها أعمق الأثر على الثقافة الأميركية.

واللافت أن الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما حضر أحد عروض هاملتون المسرحية عام 2016، وأبدى إعجابه الشديد بها "كمسرحية موسيقية تجسد معجزة أميركا، الوطن المتعدد الأعراق الذي يتعايش فيه الجميع وينالون فرصتهم دون النظر لأصولهم"، واصفا ميراندا بأنه "طاقة شابة شرسة، استطاع أن يجعل من الراب لغة للثورة، ومن الهيب هوب صوتها الأصيل".

وجاء عرض فيلم هاملتون ليكون بمثابة "قوة دافعة إضافية في مواجهة نهج ترامب الهادف إلى بناء جدار من العنصرية"، بحسب مجلة رولينغ ستون الأميركية (Rolling stone).

كأنك على خشبة المسرح

ولم يكن تحويل هاملتون من نسق العرض المسرحي إلى تقنية الفيلم السينمائي مجرد تصوير، فقد استعان المخرج كايل بالمصور السينمائي الأميركي الإيرلندي الموهوب ديكلان كوين، لتوظيف تقنيات الإضاءة وتصميم الأزياء، إلى جانب 9 كاميرات تصوير سينمائي وزعت في أنحاء المسرح، لتجعل المشاهد في المنزل وكأنه جالس وسط خشبة المسرح، بدرجة تكاد تسمح له برؤية العواطف ولمس العرق على وجوه الممثلين.

أما ميراندا فقد أدخل موسيقى الراب في محادثة مع قصص الأشخاص الملونين الذين تم نزع الشرعية عنهم، ليخلق حالة من الإثارة ربما لا تتوافر في المسرح الحي نفسه، من خلال ديناميكية بصرية وسمعية مذهلة.

وتكمن عظمة أغاني ميراندا في تنوع أساليبها الموسيقية والخيارات التي يتخذها لكل أغنية، ليجعل كل كلمة في القصة مغنّاة، بينما يتنقل هو برشاقة ودون عناء بين مزيج من موسيقى الراب، عندما يريد الوصول إلى ذروة اللحظات العاطفية التي يتردد صداها على مدار العرض.

والأجمل هو كيف أن فيلم هاملتون يدفع المشاهد للتفكير في ما كان سيحدث لو سُمح بالفعل للأشخاص الذين يشبهون هؤلاء الفنانين الملونين السود والآسيويين واللاتينيين، بالمشاركة في صياغة المُثل والقوانين الأميركية آنذاك.

فبعد أن بنى أسلافهم هذا البلد القوي المزدهر، لا يزال ورثتهم حتى اليوم يتوسلون من أجل المساواة. وهي الأفكار التي أُبدع هذا العمل من أجل إحيائها وإثارة النقاش حولها،  بحسب موقع روجر إيبرت (Roger Ebert)

هاملتون هو طفل ميراندا

السياسي الأميركي ألكسندر هاملتون كان ابنا غير شرعي لرجل أسكتنلدي فقير يعيش في جزيرة بالكاريبي، قبل أن يهاجر إلى نيويورك عام 1776 وهو ابن 19 عاما، وينضم إلى فرقة من الثوار المناهضين لبريطانيا، ويعمل بجد وذكاء منذ أن كان جنديا إلى أن صار رجل دولة، وأول وزير للخزانة الأميركية في عهد جورج واشنطن، ثم يموت في سن الخمسين على إثر مبارزة بالمسدسات عام 1804 مع نائب الرئيس آنذاك آرون بور، ويصبح رمزا للمهاجرين.

هاملتون إذن هو بمثابة البطل لميراندا، المهاجر الغريب الفقير مثله الذي استطاع أن يضع نفسه في بؤرة تاريخ أميركا، من خلال العمل والذكاء وموهبة القيادة، حتى تحول إلى نموذج للطموح الأميركي، لذا اختاره ميراندا ليشاركه بعضا من طموحه وذكائه، فهو يغني مثل بلده تماما، إنه "شاب متخبط وجائع"، تجمع حكاية صعوده بين الكفاح الفردي والنضال الجماعي.

حقق ميراندا من خلال هاملتون إنجازا رائعا جعل التاريخ الأميركي كتابا مفتوحا، يجدد الأمل في إمكانية تصحيح التجربة الأميركية ذاتيا.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من فن
الأكثر قراءة