"ذا سوبرانوس".. صورة غير نمطية في رثاء العصور الذهبية للمافيا

"ذا سوبرانوس" أنماط درامية لم تعرض في مسلسلات رجال العصابات من قبل (مواقع التواصل)
"ذا سوبرانوس" أنماط درامية لم تعرض في مسلسلات رجال العصابات من قبل (مواقع التواصل)

عندما تسمع عن مسلسل "ذا سوبرانوس" (The Sopranos) تتوقع مشاهدة نسخة ثانية من ثلاثية الأب الروحي، حيث تتصور أنك بصدد مشاهدة رجال العصابات التقليدية بسماتهم المعتادة من حدة الملامح والطباع، ولكن المفاجأة أن افتتاحية المسلسل هادئة لرجل بملامح طفولية يمازح طبيبته النفسية، وهو يقص عليها حكاية عن البط! لتكتشف بعد ذلك أن هذا الرجل هو توني سوبرانو، زعيم المافيا الأكثر نفوذا.

رجال العصابات في السينما قديما

صدر الجزء الأول من ثلاثية العراب عام 1972، لتدشن نمطا جديدا لأفلام المافيا أو العصابات، وصورت هذه الأفلام رجال العصابات بصورة معينة، حيث إن المنتمين للمافيا يتحلون بالشجاعة والقوة، كما تغلب عليهم الملامح والطباع الحادة، فإذا نظرنا إلى فيتو كورليوني -على سبيل المثال- سنجد أنه شخص هادئ معظم الوقت، يتحدث بنبرة صوت عميقة، بالإضافة إلى تمتعه "بكاريزما" خاصة، سواء في حديثه مع الآخرين أو في طريقة ملبسه.

وهو أيضا محب لأسرته، ويفضل قضاء الوقت معهم، ويشدد دائمًا على أهمية العائلة، وأن الرجل الذي لا يقضي كثيرا من الوقت مع عائلته ليس رجلا حقيقيا، لكن الفيلم لم يغص في أعماق نفسية فيتو كورليوني، فمات الرجل ولا نعرف تحديدًا نقاط ضعفه، وما الأشياء التي يخاف منها، وما الأمور التي تقلق منامه، وكذلك الأمر بالنسبة لابنه البكر سوني، الذي قتل نتيجة طباعه الحادة من دون أن تعرف شيئًا عن نفسيته كذلك.

الأمر نفسه يتكرر في فيلم "أصدقاء طيبون" (Goodfellas) الذي أنتج في بداية التسعينيات، حيث يبرز رجال المافيا في صورتهم النمطية، رجال أشداء يحافظون على تقاليد المافيا، وهم مستعدون للتضحية بأنفسهم من أجل أصدقائهم وعائلاتهم، لا يوجد شيء يخافون منه، لا يوجد تردد في أفعالهم، كأنهم أشبه بآلات قتل متحركة، حتى أن بطل الفيلم هنري هيل الذي قام بخيانة العائلة تم التشكيك في أصوله الإيطالية، وأنه ليس إيطاليا حقيقيًا، من دون أن يكشف الفيلم الجانب النفسي لهذه الشخصيات بشكل واضح.

ابتعد مسلسل سوبرانوس عن الصورة النمطية لرجال المافيا في أفلام العصابات، سواء أفلام سكورسيزي أو ثلاثية العراب لكوبولا، حيث اهتم المسلسل بالتنظيم العصابي من الداخل، واهتم أيضًا بالجانب النفسي لرجال المافيا، كما تناول علاقاتهم مع زوجاتهم والخيانة الزوجية المنتشرة في هذا الوسط، ورغم أن المسلسل له بطل واضح وهو توني سوبرانو فإن المسلسل اهتم بباقي الشخصيات، وأفرد لهم الكثير من المشاهد.

توني سوبرانو

جوانب الضعف: يظهر المسلسل جوانب الضعف في شخصية توني، القوي القلق بشأن المحيطين به، حيث يكتشف خيانة بعضهم وعمالتهم لصالح الشرطة، كما أنه لا يثق بعمه، ويخشى دائمًا التعرض للقتل على يده، فضلا عن شعوره الدائم بعدم السعادة، وغيرها من الأمور التي يعكس المسلسل فيها الصورة النمطية المعتادة لرجال المافيا وطبيعتهم العنيفة.

العلاج النفسي: العلاقة المعقدة الملتبسة بين توني سوبرانو وطبيبته النفسية، التي تعد من أجمل العلاقات في المسلسل والمليئة بالتردد ورفض العلاج والتقليل من قيمة الطب النفسي أثناء الجلسات، ثم حالة التخبط بين معتقداته بعدم فاعلية الطب النفسي وعودته للجلسات بعد انقطاع، ونلمح مشاعر احترام وإعجاب خفية تجاه الطبيبة يحاول توني كبتها بكل قوة.

علاقته بوالدته: ليفيا سوبرانو هي نقطة الضعف الأوضح لتوني، فهي أمه التي يريد سعادتها وراحتها، كما أنه يلوم نفسه في الكثير من الأوقات على تعاستها، ولكن مع تتابع الأحداث تنهار علاقة الطرفين تمامًا بسبب مرض الأم النفسي ورغبتها في إيذاء ابنها.

علاقته بالأسرة: كارميلا سوبرانو زوجة توني امرأة متدينة، تحرص على الذهاب إلى الكنيسة والتبرع للفقراء، ولكنها في الوقت نفسه تعرف أعمال زوجها الإجرامية، وتساعده أحيانًا في ذلك، كما أنها تعرف علاقاته النسائية، لذلك فإنها تحمل الكثير من التناقضات.

مبررات القتل: بعد إطلاق النار عليه، رأي كريستوفر موليتسانتي كابوسا، حيث إنه ذهب إلى الجحيم بعد موته، وقد قص توني سوبرانو الحلم على طبيبته النفسية، ووصف الأمر بالهذيان من تأثير المورفين، وقال إن كريستوفر لا يستحق الجحيم، فسألته الطبيبة: وأنت؟ قال "هذه الحرب بين جنود والقتلى من الجنود وكل الجنود يعرفون قواعد اللعبة، نحن نتبع قوانين وأكواد، ولا نتعرض للمدنيين، من يستحقون الذهاب للجحيم الذين يقتلون للمتعة ويعذبون الأطفال". وهذه هي نظرة توني وسبرانو ورجال العصابات للقتل، وكيف يستخدم نظرة فلسفية لتبرير الأعمال الإجرامية.

كريستوفر موالتسانتي: من أبرز أبطال المسلسل والشخصية الأحب إلى قلب توني سوبرانو، شخصية مهووسة بالسينما، يريد أن يصبح ممثلا سينمائيا، ويحاول دخول هذا المجال، رغم تحذير المحيطين به من أن هذا العمل لا يتناسب مع طبيعة عمله كرجل عصابات.

رجل العصابات الشاذ جنسيا: يكتشف رجال العصابات أن فيتو سباتافور رجل العصابات القوي والمسؤول عن تشكيل عصابي تابع له شاذ جنسيا، ويقع توني في حيرة كبيرة بين رغبة باقي رجال العصابة في التخلص منه، والإبقاء عليه بسبب الأموال الكبيرة التي يجلبها إلى الأسرة.

بالتأكيد أفلام العصابات القديمة سواء العراب أو غيره هي أفلام ممتعة للغاية، لكن مسلسل "ذا سوبرانوس" أخذ ثيمة عالم العصابات إلى بعد آخر؛ فالمسلسل ناقش كل شيء تقريبًا في عالم المافيا بداية من التنظيم الداخلي مرورًا بعلاقة رجال المافيا بأسرهم، والأهم بناء الشخصيات، والجوانب النفسية لكل شخصية.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

جاء مارلون براندو ورحل لكنه لم يكن أبدا غير نفسه.. فهل كان مِثل عبقري يقاتل بحماس بالغ ضد عبقريته؟ ربما، لكن ما هو أكيد أن مارلون كان أحد أكثر الممثلين بتاريخ السينما غموضا، وجموحا، وإبداعا، وتقلُّبا.

المزيد من فن
الأكثر قراءة