مهنة "الوزّان" في تونس.. أن تعزف للخيول والذاكرة في عروض الفروسية

الوزّان والحصان على إيقاع النغمات في أحد عروض الفروسية (الجزيرة)
الوزّان والحصان على إيقاع النغمات في أحد عروض الفروسية (الجزيرة)

لا يعلم خليفة (55 عاما) ما أفضت إليه أبحاث جامعة ليستر البريطانية ولا تجارب جامعة بوخوم الألمانية من إثباتات وبراهين على تفاعل الحيوانات مع الموسيقى، ولم يسمع أيضا عن الإيثولوجيا أو علم نفس الحيوان، لكنه تعوّد ومنذ 3 عقود على حمل طبلته وأعواده كما دأب سلفه، يُرقص ويُراقص الخيول بإيقاعاته في مواسم الاحتفالات في تونس.

وتعتبر مهنة "الوزّان" في تونس -أو بعبارة أوضح "عازف الخيول"- مهنة مغمورة رغم قدمها وارتكاز عروض الفروسية أساسا عليها منذ قرون، حيث يستحضر التونسيون في عروض فلكلورية صورا ومشاهد لملاحم واستبسال الفرسان في الذود عن الأرض والعرض، ومقارعة الترسانة الحربية للمستعمر بالسيف والبارود من على ظهور الخيل.

وتقوم مهمة الوزان أساسا على توسّط مركض الخيل -أو ما يسمى باللّهجة المحلية التونسية "المحْفل"- ومتابعة الخيول أثناء العروض، ويصبّ تركيزه على الحصان أثناء رقصه وركضه، ليتجنّب الإنهاك والتوتر وسط الحشود، وسيلته في ذلك العزف على الطبلة، ومعرفته العميقة بحركات وسكنات الحصان، ليضبط على أساسها نسق العرض.

يصبّ الوزان تركيزه على الحصان أثناء رقصه وركضه (الجزيرة)

استعدادات خاصّة

يطوف الوزّان على الفرسان قبل بداية كل عرض، في جولة تسبق صولة في المركض سوف تدوم ساعات يحاول من خلالها معرفة "نوبة" كل حصان، وهي التسمية المحلية للإيقاع الذي يتفاعل معه كل منها، ويعمد أيضا إلى الاقتراب منها لاستجلاء نسبة هدوئها أو توتّرها قبل العرض، فيبرمج على أساسها درجة اقترابه من الحصان والإيقاع الملائم له أثناء العرض.

تتطلّب مهنة الوزّان دراية كبيرة بالإيقاعات البدوية التونسية التي تعتبر لغة تخاطبه الوحيدة مع الخيول، ويعتبر خليفة -الوزان من الشمال الغربي التونسي- أنها من أبجديات المهنة التي تعلّمها من خلال مرافقته جدّه، وهو طفل يطوف أعراس وأفراح محافظات وقرى الشمال الغربي التونسي، إضافة إلى إتقان رقصات الفرسان التي يتعيّن عليه أحيانا المشاركة فيها بالتوازي مع العزف أو النقر على الطبلة.

ويضيف للجزيرة نت أن الأمور تتم بصفة عفوية بينه وبين الفرسان والخيول، عفوية استمدّها من خبرة عقود من مراودة المحافل ومراكض الخيول الاستعراضية، إذ يكفي -بحسب قوله- إتقان نفس لغة التخاطب بين الفارس والوزّان والحصان، والتي تتحوّل أثناء العرض إلى إشارات ونظرات معيّنة عليه التقاطها في الحين لتعديل نسق العزف تصاعديا أو تنازليا.

الوزان يتقن نفس لغة التخاطب بين الفارس والحصان لضبط إيقاع العرض (الجزيرة)

الخيل والإيقاع

وعلى غرار الفرق الموسيقية، يقيم مربو الخيول حفلات تدريبية الهدف منها إسماع الخيول إيقاعات الطبل المختلفة بإشراف الوزّان الذي يحدّد "نوبة" كل حصان اعتمادا على تقييم تفاعله مع كل نغم، ويتم أيضا في هذا النوع من "البروفات" تحديد الحصان الذي يصلح لعروض الفروسية أو لأنشطة أخرى، بالاعتماد على بنيته الفيزيولوجية ونشاطه (سخونة دمه).

و كما تختلف أذواق البشر في اختياراتهم الموسيقية، فللخيل أيضا فيما تعشق مذاهب، فمنها من يطربه "الفزاني المرتاح" وآخر لا يرقص إلا على "البطايحي" أو "المربع البدوي" أو "البروال"، وهي إيقاعات تونسية أصيلة، إضافة إلى الاختلاف في الاندماج الاجتماعي، حيث نجد خيولا تألف بسرعة حضور الجمهور وأخرى تنفر من الناس وتحجم عن الرقص أمام الأعين.

يقول حسن الكيلاني، وهو مربي خيول وفارس استعراضي من محافظة منوبة -للجزيرة نت- إن العزف للخيول يختلف عن العزف للبشر الذين يمتلكون ملكات وتقنيات عديدة للتعبير عن استحسانهم للموسيقى من عدمه، لذلك تتطلب مهنة الوزّان معرفة كبيرة بسلوكيات وأشكال تعبير الخيل عن الفرح والنشاط والتعب أو أحيانا الألم، مثل الفارس تماما.

ويضيف للجزيرة نت أن الوزّان جزء أساسي في العروض الفرجوية التي تحتفي بتراث وتقاليد البلاد الفنية والموسيقية المتوارثة على مرّ الأجيال، لذلك غالبا ما يكون اختياره لمرافقة الخيول ابتداء من الاختيار والتدريب ووصولا إلى العزف في العروض، مبنيا على انتمائه للوسط البدوي الصحراوي أو القروي، حيث يكون من السهل عليه التشبّع بتقاليد عروض الفروسية ومخالطة الخيول والفرسان.

مربي خيول وفارس استعراضي من محافظة منوبة (الجزيرة)

مخاطر و احتياطات

يقول حبيب العقبي، وهو فارس من محافظة بنزرت -للجزيرة نت- إن الوزّان يعتبر عينا إضافية للخيّال، تراقب الحصان نظرا لأنه الوحيد الذي يدخل حلبة العرض ويمكنه الاقتراب منه بحكم مهنته، إذ يحدث أن تتوتّر الخيول جرّاء حركة استفزازية من الجمهور أو حتى إصابة خفيفة غير ملحوظة بسبب حجارة صغيرة في الميدان أو غير ذلك، فيقوم الوزّان بإبطاء النسق وإشعار الفارس عن طريق إشارة سريعة لا يفهمها إلا أهل الاختصاص.

تتغاضى أعين متابعي عروض الفروسية عن الوزّان ويقع إدراجه دون دراية بخانة "الطبّال" و ينصبّ الاهتمام فقط على المهارات الفردية للفرسان، ولكن الغبار المثار في" المحفل" تحت وطأة السنابك لا يحجب عن مسامع الخيول إيقاعاته التي تجعلها ترقص، لتعيد للذاكرة الشعبية التونسية مشاهد من ملاحم وصولات غابت فاستحضرتها ذاكرة الخيول على وقع طبول لم تعد تقرع إلا للرقص.

الوزّان يعزف للحصان في أحد عروض الفروسية (الجزيرة)
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من أدب وفن شعبي
الأكثر قراءة