20 عاما على فيلم الناظر.. نبع الكوميديا الذي لا ينضب

20 عاما مرت ولا يزال فيلم "الناظر" حاضرا إلى اليوم (مواقع التواصل)
20 عاما مرت ولا يزال فيلم "الناظر" حاضرا إلى اليوم (مواقع التواصل)

في يونيو/حزيران عام 2000، كان العرض الأول لفيلم الناظر، الذي كتبه المؤلف أحمد عبد الله، وأخرجه شريف عرفة، وشكل ذروة نجومية الراحل علاء ولي الدين، ومحطة الانطلاق الحقيقية لأحمد حلمي، والظهور الأول لشخصية اللمبي التي منحت لمحمد سعد أعوامًا من التربع على عرش إيرادات الكوميديا في مصر، كل هؤلاء جنبا إلى جنب مع الراحل حسن حسني، وهشام سليم وبسمة وسامي سرحان، وكذلك حنان الطويل ويوسف عيد.

مرت 20 عاما، لكن الفيلم لا يزال حاضرا إلى اليوم، ليس فقط على المستوى السينمائي، ولكن على مستوى الثقافة الشعبية المصرية، حتى أن أجيالا جديدة ربما لم تكن قد ولدت حين صدور الفيلم، ما زالت تستخدم مشاهده في صناعة الكوميكس التي تعبر عن حالهم اليوم.

كوميديا الجيل الضائع

تدور حبكة الفيلم الرئيسية عن صلاح، الابن الذي ظل طوال عمره ضحية والده المتسلط، وحينما رحل الأب عن الدنيا أصبح الابن ضائعا، لا يعلم ماذا يجب أن يفعل وإلى أين يمكنه الذهاب، وهكذا تستمر الأحداث حتى يجد طريقه من خلال الأصدقاء، والتجارب والصراع والحب، هذه الرحلة الشبابية للبحث عن المعنى ما زالت قريبة الشبه بالشباب حتى اليوم.

هذه الحبكة جعلت من الكوميديا معتمدة بالأساس على المواقف التي يمر بها صلاح وفي الكثير من الأحيان صديقه عاطف، هذان الشابان يلتقيان عقب ذلك بـ "اللمبي" ليكتمل ثلاثي الجيل الضائع، صلاح وعاطف بلا تجارب أو شخصية أو هدف، واللمبي وكأنه إنسان من عالم آخر، عالم لا يعترف بالتقاليد والأعراف والسلطة، بل إنه يتحدث لغته الخاصة، اللغة التي سيعلمها لصلاح في أحد مشاهد الفيلم.

هذه الكوميديا المبنية على وجود شباب مضادين لمجتمعهم ومغتربين عن عناصره، هي أحد أهم أسباب بقاء الناظر حتى اليوم.

كينونة اللمبي

الشخصيات الرئيسية وحتى الفرعية في سيناريو الناظر مشغولة بحرفية عالية، لها تفاصيلها الخاصة، لها معجمها الخاص، بل حتى أن بعضها يملك لغة حركية خاصة، صلاح وعاطف وجواهر وسيد ضاهي واللمبي، لكل منهم أسلوبه لكن اللمبي يتفرد بكينونة خاصة.

أحد أهم أسباب بقاء الناظر حتى اليوم هو شخصية اللمبي، اللمبي حالة خاصة في السينما المصرية الجديدة، شخصية معبرة عن الإنسان المصري الذي لم تصبه الحداثة، لا يحمل بطاقة هوية لأنه لا يدرك وجود السلطة ولا يفكر فيها، كما أنه لا يلقي بالاً للمجتمع وقواعده، يلجأ له صلاح الشاب المصري الكلاسيكي، ليدله على طرق التمرد ومعرفة الحياة، وليعلمه معجم العصر، العصر الذي لم تدرك مصر فيه الحداثة، كما أنها قد تركت الكلاسيكية أيضا، فأصبحت خليطا غير متجانس من كل شيء، عصر الفوضى، أو كما يسميه اللمبي "زمن ال…. خلص خلاص".

علاء ولي الدين

علاء ولي الدين هنا يصل لنقطة توهجه الأهم، النقطة التي صعدت به لقمة هرم جيل المضحكين الجدد لينتزعها من محمد هنيدي الذي صعد بالجيل كله للقمة قبلها بعامين في صعيدي في الجامعة الأميركية.

علاء ولي الدين الذي رحل مبكرا قدّم في هذا الفيلم ثلاث شخصيات بأصوات وأداء نفسي وحركي مختلف، عاشور الناظر قوي الشخصية القاسي، جواهر الأم الواثقة من نفسها والمحبة لابنها صاحبة "الإفيه" والنكتة، وصلاح الفتي المتردد البكر الذي لا يعلم شيئا عن الدنيا.

يضاف لهذا عدد من الشخصيات الأخرى التي قدمها علاء ولي الدين في "الاسكتش" الافتتاحي للفيلم، عبر العصر الفرعوني والإسلامي وعصر ثورة 1919، مشاهد علاء ولي الدين وطريقته في إنهاء مشاهده هما المخزن الرئيسي "للكوميكس" في هذا الفيلم، بدءًا من "لف وارجع تاني"، وصولا إلى "أستاذ لمبي.. دي شهادة وفاة بابا".

زكريا الدرديري وآخرون

تملك الشخصيات المساعدة في "الناظر" لحظات التوهج الكوميدي الخاص بها طوال أحداث الفيلم، وهو ما يجعل الفيلم ممتعا بشكل متواصل، لا يسقط الإيقاع أبدا، يوسف عيد وحنان الطويل وسليمان عيد وسامي سرحان، الكل يملك جملته المميزة التي تتذكرها الجماهير حتى اليوم، ينطبق هذا أيضا على شخصيات ظهرت لمشهد واحد مثل حجاج عبد العظيم الذي ظهر في مشهد المسابقة وحسين أبو الحجاج الذي قام بدور "ميخا".

هذه الشخصيات الكوميدية المتعددة يرجع الفضل فيها بشكل رئيسي إلى الكاتب أحمد عبد الله، الذي فقدته الكوميديا المصرية عقب ذلك حينما قرر الذهاب إلى منطقة الميلودراما من خلال أفلام الفرح وكباريه والمولد وغيرها. الاسم الأخير الذي لا يجب إغفاله أيضا هو المخرج شريف عرفة.

آخر محطات السخرية

يمثل "الناظر" آخر لحظات السخرية الاجتماعية والسياسية في مسيرة المخرج المصري شريف عرفة، بحيث يمكن وضعها في السياق نفسه مع أفلامه "يا مهلبية يا"، و"سمع هس"، أفلام عرفة الأولى التي انتقل بعدها لمرحلة وحيد حامد وعادل إمام حيث ظهرت السياسة بشكل أوضح وقلت جرعة السخرية، ليعود في "الناظر" مرة أخرى، قبل أن يتخلى عن أسلوبه تماما في الأفلام التالية التي غلب عليها "الأكشن"، وحتى حينما ظهرت الكوميديا كما في "فول الصين العظيم" كانت خالية تماما من السخرية الاجتماعية.

هكذا اكتسب "الناظر" أهميته من مجموع إبداعات كل هؤلاء، ولم يكن مصادفة، ولأن الكوميديا الصادقة تحفر مكانها عميقا في ذاكرة الشعوب، ظل حيا حتى اليوم.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من سينما
الأكثر قراءة