حياة قصيرة وموت مفجع.. كيف قضى الاكتئاب على إبداع الفنان السوري لؤي كيالي؟

لوحات "ماسح الأحذية" للفنان السوري لؤي كيالي (موقع لؤي كيالي)
لوحات "ماسح الأحذية" للفنان السوري لؤي كيالي (موقع لؤي كيالي)

لطالما ارتبط الفن بالجنون، وشكلت هذه الثنائية الاستثنائية مفتاحا لعوالم من الخطوط والألوان ساهمت في تكوين رؤيتنا للعالم عبر لوحات لا تفقد قيمتها الفنية بمرور الزمن.

ومن بين الفنانين الذين خطوا هذه العوالم: لؤي كيالي (1934-1978) الذي يعد واحدا من أهم الفنانين في تاريخ الفن التشكيلي السوري الحديث نسبيا، كما لا يمكن الحديث عن حياته دون أن نستحضر تفاصيل مشابهة في سيرة الفنان الهولندي فنسنت فان غوخ (1853-1890).

الفنان السوري لؤي كيالي (مواقع التواصل)

لوحات عن الإنسانية

وعلى الرغم من أن كيالي ولد في بيئة برجوازية على عكس فان غوخ، فإنهما كانا على اندماج كامل بالحياة الشعبية القريبة من واقع الفقراء، فقد تناولا في أعمالهما حياة البسطاء، إذ نجد أن الأول ركز على الباعة المتجولين، كمجموعة لوحات "ماسحو الأحذية" التي رسمها بين عامي 1963 و1974، إلى جانب رسومات أخرى تناولت جوانب مختلفة من المأساة الإنسانية، كالبؤس والفقر وقضايا الطفولة.

بينما اشتهر الثاني بتصوير أعمال الفلاحين وحياتهم اليومية، كلوحته الشهيرة "آكلو البطاطا" (1885) التي كتب عنها في رسالة إلى أخيه ثيو: "لقد أردت فعلا أن أجعل الناس يتصورون أن هؤلاء الناس الذين يأكلون البطاطا على ضوء مصباحهم الصغير، قد حفروا الأرض بأنفسهم بهذه الأيدي التي يضعونها في الطبق ليحصلوا على البطاطا، وأنهم بذلك قد حصلوا على طعامهم بصدق".

لوحة آكلو البطاطا للفنان لؤي كيالي (مواقع التواصل)

بين الإبداع والجنون

عانى كل من كيالي وفان غوخ من اضطرابات نفسية ونوبات قلق والجنون لاحظها من حولهما، فهناك قصص تناقلها المهتمون بحياة فان غوخ -وإن كانت هناك إشكاليات في المصادر في سياق طرحها- أشهرها ما يروى عن إلقاء فان غوخ كأس الخمر في وجه الرسام بول غوغان، تعبيرا عن غضبه الشديد جراء استيائه من إعجاب فتاة جميلة بغوغان، حتى وصل به الغضب إلى حد اللحاق به حاملا سكينا في يده.

كذلك قصة أخرى عن أنه قطع أذنه وأهداها لحبيبته، وخلال حياته نقل عدة مرات إلى مستشفى الأمراض العقلية بسبب سلوكاته وميله إلى الجنون. وشخصت عدة أبحاث حالة فان غوخ بالصرع الصدعي والاضطراب الثنائي القطب والشخصية الحدية، خاصة أنه كثيرا ما كان يتناول ألوانه ومادة الرصاص الموجودة في أقلامه حتى منع عنها ودخل إثرها المستشفى، فضلا عن إدمانه على "الأبسنت" وهو خمر يحتوي نسبة عالية من الكحول.

أما كيالي، فبدأت ملامح الاضطراب النفسي تظهر عليه بعد إقدامه على إحراق لوحات معرضه "في سبيل القضية" عام 1967، وهي ثلاثون لوحة مرسومة بالفحم صوّر فيها المأساة الفلسطينية. وتزامن معرضه الذي جاب المدن السورية مع تواتر الأحداث واشتعال حرب حزيران، ومما زاد الأمر سوءا أن أعماله قوبلت بآراء سلبية من النقاد والصحافيين، ثم تلا ذلك وفاة والده (1970) وهو ما شكل علامة فارقة في حياة كيالي وأدى لدخوله في نوبات من الكآبة التي استدعت ذهابه إلى بيروت لعرض حالته على طبيب نفسي.

في هذا السياق، يقول الدكتور حسان المالح في بحثه "ستة موضوعات في ملف ثنائي القطب": "يبدو كيالي من خلال سيرته الذاتية المطروحة وما كتب عنه من تفاصيل وسلوكيات والمراحل التي قدمها في فنه، أنه كان يمرّ بنوبات مرضية وفيها أعراض اكتئابية وذهانية، ثم تتحسن حالته ويعاود نشاطه وحيويته وإنتاجه في فترات أخرى. وربما يرجح ذلك تشخيص اضطراب المزاج الثنائي القطب، حيث تحدث فيه نوبات كآبة ونوبات أخرى فيها نشاط وحيوية وأيضا نوبات مختلطة بينهما".

لوحة غفوة ضمن مجموعة جدات للفنان السوري لؤي كيالي (الموقع الرسمي للفنان)

نهاية مؤلمة

انتهت حياة كيالي عن عمر ناهز 44 سنة، بعدما فشلت محاولات علاجه من الحروق التي تعرض لها نتيجة اندلاع النيران في سريره بسبب عقب سيجارة، وظهرت بعض الروايات حول انتحاره بهذه الطريقة، أما فان غوخ فانتحر في سن 34 برصاصة في رأسه.

عاش كل منهما حياة قصيرة ورحلا وهما في أوج إنتاجهما الفني، تاركين بصمة إبداعية لا تمحى، ليجمعا في حياتهما وموتهما المفجع رواية مأساوية عن العظمة والجنون.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من فنون تشكيلية
الأكثر قراءة