السيناريو.. كيف تطور العمود الفقري للأفلام عبر تاريخ السينما؟

الأخوان لوميير رائدا صناعة السينما عبر التاريخ (مواقع التواصل)
الأخوان لوميير رائدا صناعة السينما عبر التاريخ (مواقع التواصل)

أتى العرض السينمائي الأول عام 1885 ليعلن مولد هذا الفن الجديد بالشكل الذي نعرفه الآن، وقد سبق ذلك العديد من المحاولات لعرض الصور المتحركة، ولكنها لم تصل إلى الحد الذي وصل له الأخوان لوميير عندما عرضا أول أفلامهما في فرنسا يوم 28 ديسمبر/كانون الأول من ذلك العام.

في البداية لم تكن هذه الأفلام سوى مجموعة من الصور المتحركة، الهدف منها استعراض هذا الاختراع العبقري. ويمكن أن نطلق عليها وصف أفلام وثائقية قصيرة، لأنها لم تقدم سوى توثيق لبعض المشاهد العادية، منها مشهد خروج العمال من المصنع، أو دخول القطار المحطة، وكل منها كان يحمل عنوانا، وهذا العنوان البسيط هو الأب الشرعي للسيناريو السينمائي.

في تلك الفترة، لم يكن الهدف من عنوان الفيلم الإعلان عن محتواه بقدر ما كان نوعا من التشويق والدعاية عن العمل نفسه. فعلى سبيل المثال، قدّمت شركة توماس أديسون فيلما بعنوان "حرب الوسائد" (Pillow Fight) مع شرح لهذا العنوان بأنه عن أربعة فتيات يتعاركن بالوسائد بملابس النوم، نفس الأمر الذي يمكن أن نشبهه الآن بالفيديوهات التشويقية التي تُعرض للترويج للأفلام قبل عرضها.

بداية السيناريو الحقيقية

استمر استخدام عنوان ووصف الفيلم كسيناريو له لعدة سنوات حتى بداية القرن العشرين، عندما عرفت السينما مبدعا يدعى جورج ميليه الذي كانت له إسهامات عظيمة في وضع أسس المؤثرات البصرية باستخدام المونتاج، وكان كذلك أول من كتب السيناريو بشكل يقارب المعروف الآن، وذلك في فيلمه "رحلة إلى القمر" (A Trip to the Moon) عام 1902.

في هذا الفيلم قدّم ميليه قصة مجموعة من سكان الأرض يسافرون إلى القمر عبر صاروخ يتم إطلاقه في الفضاء، وحتى يستطيع التحكم بقصة فيلمه -الذي بلغ طوله 12 دقيقة- كتب ميليه 30 سطرا مفكِكًا مراحل تصوير فيلمه والمؤثرات البصرية التي سيستخدمها.

في العام التالي مباشرة (1903)، ظهر تطور كبير آخر في فن السينما وهو على يد المخرج إدوين بورتر في فيلمه "سرقة القطار الكبرى" (The Great Train Robbery)، والذي قدم عدة إسهامات للسيناريو، أهمها أنه لأول مرة أصبح لدى المخرج نص مكتوب لفيلمه، لا يحتوي فقط على سطر عن كل مشهد سيصور، ولكن أيضا مع حساب عدد قطعات المونتاج وتكوين المشهد وسير الحبكة.

السيناريو مطلب اقتصادي

بعد هذين الفيلمين ومع انتشار فن السينما حول العالم وزيادة الطلب على الأفلام السينمائية، أصبحت هناك حاجة لصناعة المزيد من الأفلام. وللحصول على أرباح وإيرادات أكبر كان على الشركات المنتجة القيام بعدة قرارات، أهمها تقليل التكاليف، وذلك بتحديد عدد المشاهد المصورة وتقليل تكرار اللقطات، فتوجب على مخرجي الأفلام في هذه الفترة كتابة سيناريو تفصيلي لما سيصور، وهو ما يشبه "الديكوباج" المستخدم حتى الآن.

ومع زيادة التطور كذلك، ظهر نظام الأستوديوهات، وهو نظام هوليودي يتم فيه تصوير عدد كبير من الأفلام في نفس الوقت. ولأن العمل السينمائي أصبح يشبه إلى حد كبير خط إنتاج المصانع الكبرى، وجب أن يتم تقسيمه إلى أجزاء أصغر يقوم بكل جزء منها شخص مسؤول، ومن هنا ظهر في كل أستوديو عدد من كتاب السيناريو الذين عليهم كتابة تفاصيل العمل القادم وتقديمه إلى المخرج المسؤول عن الفيلم بالكامل.

السينما الصامتة والناطقة

واستمر السيناريو السينمائي في التطور خلال فترة السينما الصامتة مع التطور الاقتصادي الذي حظيت به السينما، ولكنه قفز قفزة عملاقة غير متوقعة عام 1927 عندما ظهر لأول مرة فيلم ناطق، وهو فيلم "مغني الجاز" (The Jazz Singer).

هنا اختلف الغرض من السيناريو وأضيف على كاتبه المزيد من الأعباء، فلم يعد السيناريو يتضمن فقط حبكة الفيلم والمشاهد التي ستصور وكيفية تصويرها وعدد القطعات، بل يتضمن كذلك حوارا مطولا مكتوبا للشخصيات يتعدى تلك السطور القصيرة التي كان يضيفها كتاب السيناريو في السابق وتظهر على هيئة لوحات داخل الفيلم لتعبر عما لا تستطيع الصورة أن تقوله بالكامل.

والأهم أنه مع ظهور الأفلام الناطقة برز نوع سينمائي جديد للغاية، وهي الأفلام الغنائية والموسيقية، والتي احتاجت إلى تضافر المزيد من الجهود بين كتاب السيناريو وكتاب الأغاني لصنع سيناريوهات للأفلام يتم التعبير فيها ليس فقط عبر الصورة والتمثيل ولكن عبر الكلمة المنطوقة والأغنية أيضا.

سينما المؤلف وسيناريو المخرج

في نهاية الأربعينيات وبعد الحرب العالمية الثانية ورسوخ فن السينما لأكثر من نصف قرن تقريبا، ظن كثيرون أنه لن يحدث المزيد من التطور في الشكل السينمائي، ولكن اتضح بعد ذلك أن هناك المزيد قادم وهذه المرة من أوروبا، بعدما تطور السيناريو لسنوات في الولايات المتحدة.

حيث ظهر في فرنسا ما يسمى "بسينما المؤلف"، وهي نظرية سينمائية فيها المخرج هو المسؤول الأول والأخير عن الفيلم، وتنص على أن الأفلام هي فن الكتابة بالصورة، وأن الفيلم ما هو سوى قلم في يد المخرج، ليبدأ السيناريو السينمائي يفقد قدسيته عند بعض المخرجين الفرنسيين من الموجة الفرنسية الجديدة، والذين استغنى بعضهم عن السيناريو السينمائي بصورة شبه تامة مثل جان لوك جودار، وطور البعض في شكل السيناريو بصورة كبيرة، وأصبح هناك فرق واضح بين السيناريو الأميركي والسيناريو الفرنسي، سواء في تنسيق السيناريو أو حتى في المفهوم الذي يقف وراءه.

وحتى اليوم وبعد مضي ما يزيد على 120 عاما على بداية فن السينما، ما زال هناك المزيد من التطور في فن السيناريو، ليس فقط في التفاصيل التي تكتب أو بالشكل الذي تكتب عليه، ولكن كذلك في الحبكات غير التقليدية، ليتم كسر القواعد بصورة مستمرة لتظهر أخرى جديدة.

المصدر : الجزيرة + مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

المزيد من سينما
الأكثر قراءة