"تأتون من بعيد".. من مهرجانات السينما إلى منازلكم مجانا

ملصق إعلاني لفيلم "تأتون من بعيد" للمخرجة المصرية أمل رمسيس (مواقع التواصل)
ملصق إعلاني لفيلم "تأتون من بعيد" للمخرجة المصرية أمل رمسيس (مواقع التواصل)

لمياء رأفت

في ظل العزل المنزلي، حيث يقبع الملايين في منازلهم للحد من انتشار فيروس كورونا، قامت جهات صناعة الترفيه ومنصات البث بتشجيع الجمهور على البقاء في المنازل في جميع أنجاء العالم، وذلك عبر اشتراكات مجانية في منصات بث الأفلام والمسلسلات العربية. كما بدأ صناع الأفلام مؤخرا بعرض أفلامهم لوقت محدود على الجمهور، مع عقد مناقشات جماعية عبر الإنترنت.

بدورها، شاركت المخرجة المصرية أمل رمسيس في هذه المبادرة بفيلمها الأحدث "تأتون من بعيد"، وهو الفيلم الذي عرض العام الماضي في مهرجان الإسماعيلية السينمائي، ثم في أيام قرطاج حيث حصل على جائزة "التانيت الفضي"، وكذلك مهرجان تطوان ليحصد الجائزة الكبرى، وبعدها مهرجان أسوان لأفلام المرأة في بداية هذا العام، وحصل على جائزة أفضل فيلم أورومتوسطي مناصفة مع فيلم "احكيلي" لماريان خوري.

مناضل عالمي وأسرة مشردة
تدور أحداث فيلم "تأتون من بعيد" الوثائقي حول "نجاتي صدقي" وهو مناضل عالمي ترجع أصوله إلى فلسطين، ولكنه مد جذوره في بلاد متعددة، حيث انتقل من فلسطين إلى النضال في إسبانيا ضد الجنرال الدكتاتور فرانشيسكو فرانكو، وبعدها شارك في الحرب العالمية الثانية، ثم العودة إلى فلسطين ليتأثر بالنكبة، وبعدها انتقل إلى لبنان خلال الحرب الأهلية.

مسيرة طويلة من السفر والمبادئ، وخلّف وراءه مجموعة من القصص والكتب الأدبية، وثلاثة أولاد، هم أصل قصة فيلم "تأتون من بعيد".

لأسباب تتعلق بالسفر وسهولة الحركة، ترك الابنة الكبرى "دولت" لتحيا بعيدا عن باقي العائلة، وعندما اجتمع الشمل مرة أخرى، كانت قد بلغت سن الشباب، ابنة لا تعرف أي شيء عن إخوتها أو أبويها، ولا حتى يتكلمون لغة واحدة.

تلك هي القصة التي اجتذبت المخرجة أمل رمسيس، ونقبت وراءها حتى وصلت إلى الأبناء الثلاثة، ورغم موافقتهم على التصوير والاتفاق المبدئي، فإن الخطط تعطلت طويلا لأسباب إنتاجية حتى أتتها مكالمة من الأخ والأخت الأصغر سنا أن "دولت" قد أصيبت بمرض ألزهايمر، وعلى وشك فقدان ذاكراتها وذكرياتها وهي قلب الفيلم.

انتقلت أمل وفريق إنتاج الفيلم سريعا إلى روسيا حيث تقيم دولت، ليدور بينهم حوار طويل حول ماضي هذه المرأة الحافل بالغياب، والعلاقات العائلية المبتورة، والبحث عن المحبة.

قضايا نبيلة
ناقش الفيلم قصة المناضل من جانبيها، الأول نبل القضايا التي كان يضحي بحياته من أجلها مرارا، والثاني تأثير هذه التضحيات على من حوله. فالنبل كان مقابله الإيذاء الذي أوقعه على عائلته التي تشردت معه من بلد إلى آخر، والابنة التي خسرها وهي حية، وشظف العيش الذي فرضه على عائلته، وعلاقة أبنائه التي ظلت حتى النهاية غير طبيعية.

تنقلت أمل رمسيس بين وسائل مختلفة من السرد في الأفلام الوثائقية، حيث بدأت بصور وأفلام تسجيلية قديمة نقلت عبرها وقائع الفترات التاريخية التي عاصرها الأب وشارك فيها، ثم عبر الرواة تعرفنا على قصة العائلة وشتاتها بين البلدان، والابنة التي قالت عن نفسها إنها انتزعت مثل الشجرة من جذورها لتنبت في مكان آخر فظلت تشعر بهذا الضياع منذ ذلك اليوم.

أما الجزء الأخير فقد تم بطريقة المقابلات التلفزيونية التقليدية مع الإخوة الثلاثة في روسيا حيث تعيش "دولت" أيامها الأخيرة.

ربما ما استهوى أمل رمسيس في هذه القصة وجذبها إليها -بالإضافة إلى غرابتها- هو التقارب الشديد في الشخصية بين دولت ووالدها الثوري المناضل، ولكنها قالت في إحدى الحوارات الصحفية بعد مهرجان الإسماعيلية إنها بدأت البحث بسبب مقال قرأته عن المناضلين العرب ضد الجنرال فرانكو في إسبانيا، والذين بلغ عددهم حوالي 1000 دخلوا البلاد بجوازات سفر مزورة، ومن هنا زاد فضولها عن هؤلاء الثوريين، فرحت تبحث حتى عثرت على قصة نجاتي، ثم عائلته، ولكن اهتمامها انتقل إلى قصة دولت وإخوتها الذين تم سرد القصة عبر حكاياتهم وذكرياتهم عن والدهم.

يعد فيلم "تأتون من بعيد" واحدا من أفضل الأفلام الوثائقية العربية التي أنتجت في السنوات الأخيرة، فقد استطاع التنقل بحرية بين الأزمنة المختلفة، سواء تلك التي عاشها الأب أو الأولاد، لم يحاول ابتزاز المشاهدين عاطفيا، سواء بالميل نحو المناضل الثوري القديم، أو حتى الابنة المهجورة، فقد استعرض كل جوانب القصة بحيادية رقيقة، واستخدمت فيه المخرجة عدة تقنيات إخراجية للأفلام الوثائقية بانسجام شديد خدم فكرتها وسير الأحداث طوال الوقت.

يعرض الفيلم مجانا حتى يوم 19 أبريل/نيسان الجاري على موقع "فيميو" (Vimeo).

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من فن
الأكثر قراءة