الإعلام الأوروبي الرابح الأكبر من أزمة كورونا

هناك حاجة نفسية لمشاهدة المحتوى مع كل العائلة في تجربة جماعية في هذا الوقت العصيب (بيكسلز)
هناك حاجة نفسية لمشاهدة المحتوى مع كل العائلة في تجربة جماعية في هذا الوقت العصيب (بيكسلز)

محمد موسى

هزت أزمة فيروس كورونا الإعلام في أوروبا، مثلما فعلت بقطاعات ترفيه أخرى كالسينما والمسرح، فتوقف إنتاج معظم البرامج والمسلسلات التلفزيونية، وتأجلت مواعيد تصوير برامج ومسلسلات إلى أجل غير مسمى، لكن يبقى الإعلام القطاع الأكثر حظا.

وخضعت البرامج الإخبارية، التي تصور في أستوديوهات المحطات التلفزيونية، لتغييرات جوهرية كبيرة، إذ إنها توقفت عن استضافة الجمهور في الأستديو، وتم تحديد عدد التقنيين والضيوف الموجودين في الأمكنة ذاتها في الوقت نفسه، لتستجيب للأرقام التي سمحت بها حكومات كل بلد أوروبي الخاصة بالتجمعات العامة، وللحد من انتشار الفيروس.

الإعلام الأكثر حظا
فيروس كورونا لم يكن وبالا على الإعلام، وبخاصة المحطات التلفزيونية، فأعداد مشاهدي البرامج التلفزيونية منذ بدء الأزمة بلغ معدلات مرتفعة لم تعرفها الشاشات الصغيرة منذ عقود. والتلهف على الأخبار الجديدة والترفيه من جمهور عريض يجلس اليوم في البيوت، يتصاعد بمستويات توازي تطور الأزمة.

وبالطبع، علينا انتظار أرقام الإعلانات التجارية التي بثت على وسائل الإعلام المختلفة خلال الأسابيع القليلة الماضية، والآفاق المستقبلية للإعلانات، وقدرة وسائل الإعلام على جذب المعلن في حالة استمرار الأزمة لأشهر قادمة، للتمكن من ربط زمن كورونا بالعائدات الإعلانية.

كما عانت شبكة الإنترنت من ضغط غير مسبوق من المستخدمين، كان أحد أسبابه توجّه جمهور أوروبي كبير لمشاهدة المواد الترفيهية التي توفرها شركات "ستريمنغ"، سواء تلك العابرة للقارات أو المحلية. الأمر الذي حدا بشركة نتفليكس الأميركية لتقليل الجودة التي توفر فيها أفلامها ومسلسلاتها على خدمتها، حتى تضمن توزيعا عادلا وبنوعية جيدة لمادتها الترفيهية لكل المستخدمين حول العالم.

توقف برامج ومسلسلات
مثلما هي الحال مع الفعاليات الرياضية والفنية التي تأجلت جميعها بسبب الأزمة، لم يعد غريبا سماع أخبار عن وقف تصوير برامج ومسلسلات تلفزيونية أيقونية، لا يمكن تصور بعض الشاشات الأوروبية الصغيرة من دونها، مثل مسلسل "إيست إندرز" (EastEnders) الذي يعرض أربع مرات في الأسبوع على شاشة القناة الأولى لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، والذي أُوقف تصويره. علما أن هذا المسلسل يعرض دون انقطاع منذ عام 1985.

كما أجّلت القناة الرابعة البريطانية تصوير البرنامج الشهير "The Great British Bake Off"، الذي كان من المقرر أن ينطلق الأسبوع الماضي، رغم أن الأخبار التي شاعت في الإعلام في الأيام الأخيرة، كانت تؤكد أن تصوير البرنامج سيتواصل، ذلك أن طبيعته ومكان تصويره المنعزل لا يشترطان وجود فريق تقني كبير.

السلامة أولا
من الواضح أن المحطات التلفزيونية الأوروبية لا تريد أن تجازف بسلامة العاملين فيها أو ضيوفها، بخاصة أن الغموض ما زال يحيط بطرق انتشار كورونا أو طرق العدوى منه، فأخذت هذه المحطات حزمة من القرارات الحازمة كثيرا، كتحديد المسافة بين الضيوف في الأستديو، وبين مقدمي البرامج أنفسهم.

كما فرضت القنوات على العاملين فيها من الذين يخرجون للشارع لإعداد تقارير من هناك، التزام ضوابط معينة، مثل استخدام ميكروفونات بأذرع طويلة عند إجراء الحوارات بينهم وبين الذين يحاورونهم لضمان مسافة المتر ونصف المتر التي تنصح بها الجهات الطبية.

كما استعانت محطات تلفزيونية بطرق التواصل عن بعد على نحو لم يحدث في الماضي. إذ لم يعد غريبا على برنامج إخباري أن يحاور كل ضيوفه من منازلهم عن طريق شاشات الحاسوب.

وصار من المعتاد لكثير من البرامج الإخبارية عرض تقارير صوّرها ناس غير محترفين من محيطهم، وذلك لصعوبات الحركة والتنقل لفرق التلفزيون في بعض الدول الأوروبية بسبب الإجراءات الحكومية.

الحنين إلى زمن سابق
رغم المرونة والتفاعل الناجح للكثير من القنوات التلفزيونية الأوروبية العامة في بريطانيا وهولندا وبلجيكا مع الأزمة، فإن طول هذه الأخيرة سيضع هذه المحطات أمام مشاكل كبيرة في الأشهر القادمة، وبعد أن ينفد قريبا مخزونها من البرامج التي انتهت من إنتاجها قبل وصول كورونا إلى حياتنا. وهذا سيترك مساحات كبيرة من ساعات البث التلفزيوني خالية.

ويبدو أن إعادة عرض مواد تلفزيونية قديمة سيكون أحد الحلول المتوفرة، ليس فقط لأجل ملء الساعات التلفزيونية العديدة، بل للتذكير بزمن آخر يسبق زمن كورونا، وكما فعل التلفزيون الهولندي الرسمي، الذي خصص ساعات من بثه لعرض مواد تلفزيونية من الأرشيف.

وفتح المسؤولون عن التلفزيون الهولندي الباب لمشاهير من البلد، ولتصويت الجمهور من أجل اختيار المواد الأرشيفية التي يرغبون في مشاهدتها ضمن فقرة إعادة بث مواد قديمة.

ورغم أن كثيرا من المواد الأرشيفية متوفرة مجانا على يوتيوب وعلى مواقع للتلفزيون الهولندي، فإن الإقبال عليها في الوقت الحاضر في هولندا يشير إلى الحاجة النفسية لمشاهدة التلفزيون مع كل العائلة كتجربة جماعية في هذا الوقت العصيب.

الأخبار في المركز الأول
تحظى النشرات الإخبارية وبرامج الحوارات وتحليل الأخبار بنسب مشاهدة مرتفعة، تعكس فداحة المحنة الكونية التي نعيشها اليوم، والحاجة إلى متابعة الأخبار بشكل متواصل.

فبحسب أرقام أصدرتها هيئة الإذاعة البريطانية، شاهد نشرة أخبار السادسة مساء، التي عرضت يوم 18 مارس/آذار الماضي على القناة التلفزيونية الأولى للمؤسسة البريطانية، 9 ملايين مشاهد، وهو أعلى عدد مشاهدين للقناة منذ أعياد الميلاد في العام 2008. كما يمثل الرقم ضعف عدد المشاهدين لنشرة الأخبار ذاتها للعام الماضي.

أما الخطاب المتشائم الذي ألقاه رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون يوم 18 من الشهر نفسه، والذي دعا فيه البريطانيين إلى الحذر والحيطة والاستعداد لوداع أحبابهم، فجذب ما مجموعه 10 ملايين مشاهد في بريطانيا عند عرضه على أكثر من محطة تلفزيونية هناك.

وحظيت قناة "بي بي سي" الإخبارية بنسبة مشاهدة مرتفعة كثيرا في بريطانيا في أسبوعي الأزمة الأوليين، حيث وصلت القناة الى 11.7 مليون مشاهد بأعمار أكبر من السادسة عشر من العمر، لتكون أعلى نسبة مشاهدة للقناة منذ اعتداءات باريس الإرهابية في عام 2015.

وعلى الصعيد ذاته، كانت المتابعة في هولندا للتلفزيون، وللبرامج الإخبارية خاصة، مرتفعة كثيرا عن المعدل الطبيعي للمشاهدة. إذ وصل الزمن المتوسط لمشاهدة التلفزيون في هولندا في الأسبوعين الأوليين من أزمة الكورونا إلى 225 دقيقة في اليوم، بحسب تقرير منظمة تسجيل أرقام المشاهدة في هولندا، ليترفع بـ33 دقيقة عن عام 2019.

وجذبت البرامج الإخبارية الهولندية جمهورا يزيد عن الضعف عن الأرقام التي اعتادت مشاهدتها في الفترات الماضية، كما بين تقرير أرقام المشاهدة التلفزيونية الهولندي ذاته.

وتزيد أعداد مشاهدي التلفزيون بعد الساعة الخامسة مساء، أي في الفترة التي تبدأ فيها المحطات التلفزيونية ببث برامجها الإخبارية الجديدة. ووصل معدل أرقام المشاهدة في هذه الفترة الزمنية إلى 7.1 ملايين مشاهد، في سابقة على المحطات التلفزيونية الهولندية.

ولم تقتصر الشهية للأخبار على متابعة البرامج الإخبارية التلفزيونية، إذ شكل الإنترنت أحد مصادر تلقي الأخبار للكثيرين. واستأثرت مواقع الأخبار الشهيرة والجدية بأرقام تصفح عالية، إذ وصل عدد متصفحي مواقع "بي بي سي" الإخبارية على شبكة الإنترنت يوم 19 مارس/آذار الماضي 29.2 مليون متصفح في المملكة المتحدة وحدها، والذي يمثل رقما قياسيا جديدا لهذه المواقع.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من فن
الأكثر قراءة