رحلة تطور الغناء الشعبي.. هل كان سيد درويش ملهما لمطربي المهرجانات؟

مطربا المهرجانات الشعبية عمر كمال (يمين) وحسن شاكوش (مواقع التواصل)
مطربا المهرجانات الشعبية عمر كمال (يمين) وحسن شاكوش (مواقع التواصل)

بسمة خالد

أبدع سيد درويش عام 1917 في تلحين "الطقطوقة" وخرج بها من الشكل التقليدي في بعض الألحان، فأنهى بعضها بلحن مختلف عن لحن "المذهب" كما في طقطوقة "الحلوة دي" و"الشيالين"، كما أدخل على الموسيقى المصرية للمرة الأولى الغناء البوليفوني في أوبريت "العشرة الطيبة" وأوبريت "شهرزاد والبروكة".

يعتبر ما قدمه سيد درويش نقلة نوعية في الأغنية المصرية بشكل عام، قامت على أساس (التقليد) في جانب، ثم التطوير في الجانب الآخر. والتقليد عموما سمة من سمات الإبداع إذا ما اقترن بالتطوير، وهذا ما نفتقده اليوم في أغلب الحركات الفنية التي تدعي الجدية والأصالة، ورغم غياب المختصين فإننا نستطيع أن نلتقط في الآونة الاخيرة بمصر حدثا يعيد للأذهان ظواهر أصيلة من الجمود الرافض لكل ما هو مختلف، وهو ما حدث بشأن المهرجانات الشعبية أخيرا.

حركة فنية شعبية
المهرجانات كحركة فنية قامت على تقليد ما ورثته من حركات فئة الغناء الشعبي، إلا أنها طورت ما ورثته من دون وعي فني مباشر. وهذا لا يقلل من شأنها ويذكرنا بما قاله الأديب توفيق الحكيم عن تطوير سيد درويش للغناء العربي دون قصد أو وعي " كانت أغاني سيد درويش وألحانه الشعبية تسريان في الناس كالنار في الهشيم، ولكني ما كنت أرى منه أن هذا هو الذي يملؤه بالفخر. لقد كان تواقا إلى الفن في صورته العليا، وإنه لعجيب أن يكون لمثل سيد درويش بثقافته البسيطة صورة عليا للفن".

وأضاف الحكيم "إنني لا أعتقد أن سيد درويش كان يتعمد التجديد قهرا أو افتعالا، ولم أسمعه يتحدث في ذلك، كما يتحدث أصحاب النظريات أو قادة النهضات، ولكن التجديد عنده فيما أرى كان شيئا متصلا بفنه ممزوجا به، لا حيلة له فيه، شيئا يتدفق من ذات نفسه، كما يتدفق السيل الهابط من القمم، كانت الألحان تنفجر منه كأنها تنفجر من ينبوع خفي".

كان هذا رأي أحد أهم الأدباء في ما يقدمه سيد درويش على الرغم من تضمن كلمات طقطوقاته مصطلحات ترى -عادة- أنها خارجة عن الآداب العامة، مثل طقطوقة "الكوكايين":

محتوى المهرجانات
ظهرت المهرجانات على يد شباب المناطق الشعبية الفقيرة بمصر، تلك المناطق التي اشتهرت فيها ظاهرة "العركات" أو الخناقات والمشاجرات بين الأحياء، هذه الظاهرة التي ارتقت فيها المهرجانات من صراع مباشر إلى صراع فني. وإذا لجأنا للتأصيل نجد أن محتوى هذه الأغنيات يقوم على تقليد أهم سمة من سمات الشعر العربي وهي تمجيد النفس والتفاخر بالبطولات، بإيقاع لفظي سريع قد يشبه فن الراب بسرعته إلا أن هذه السرعة تعتمد على أوزان وتفعيلات قصيرة وهو ما يجعلها تتجاوز فن الراب.

يطول الحديث في تحليل هذه الحركة الفنية الفتية، وخصائصها الأصيلة، فهذه الحركة أخرجت الأغنية الشعبية من إطار المازوخية وقهر الذات الذي يسيطر على الأغنية الشعبية المصرية منذ زمن إلى الافتخار والاعتزاز بالذات.

إن الألفاظ الصريحة كانت موجودة منذ الأزل في الفن المصري، ولها جمهورها، حتى أن كبار الفنانين بمصر اشتهروا بأغان وطقاطيق جريئة، فقد لحن الشيخ زكريا أحمد أغنية "النبي توبة" نعيمة المصرية، والتي تقول فيها "والنبي توبة مانا شاربة معاك"، أو طقطوقة سيد درويش "التحفجية" التي تناولت طبقات الشعب المصري البسيطة، في سرد لأحداث يومهم ومشكلاتهم الاجتماعية، لكنه اختتمها بجمل وطنية "وأقولك لك الحق، يوم ما نلقى بلادنا طبت في أي زنقة، يحرم علينا شربك يا جوزة روحي وأنت طالقة مالكيشي عوزة، دي مصر عايزة جماعة فايقين.. يا مرحب"، إذ لا يمكن في النهاية إنكار الدور الفني لتلك الأسماء التي ساهمت في تطوير الغناء بمصر.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من فن
الأكثر قراءة