سحر بينوكيو.. حكاية إيطالية قديمة تعود بثوب جديد

الفيلم حقق نجاحا جماهيريا في إيطاليا قبل أن تغلق دور السينما أبوابها بسبب فيروس كورونا (مواقع التواصل)
الفيلم حقق نجاحا جماهيريا في إيطاليا قبل أن تغلق دور السينما أبوابها بسبب فيروس كورونا (مواقع التواصل)

حسام فهمي

شهد العام الماضي العديد من مشاريع تحويل قصص الرسوم المتحركة إلى أفلام، كان أبرزها "علاء الدين" و"الأسد الملك"، ولكن تحويل الرسوم إلى أفلام مبهرة ليس حكرا على هوليود فقط، وهذا ما نراه من خلال الفيلم الإيطالي الجديد "بينوكيو" (Pinocchio) من إخراج الإيطالي ماتيو غاروني وبطولة النجم الإيطالي المحبوب روبرتو بينيني. 

حقق الفيلم نجاحا جماهيريا في إيطاليا قبل أن تغلق دور السينما أبوابها بسبب فيروس كورونا، كما شهد نجاحا خلال عرضه الخاص في مهرجان برلين السينمائي الدولي 2020.

في معالجة ماتيو غاروني نعود لأصل حكاية بينوكيو الإيطالية، الأصل الذي يختلف عن قصة الأطفال التي حولتها ديزني لفيلم رسوم متحركة خلال الأربعينيات، حيث تصبح الحكاية أكثر جدية، وأكثر مرارة في بعض الأحيان، وأكثر سحرية أيضا. 

واقع وغرائب
معالجة ماتيو غاروني الجديدة تعود إلى روح القصة الأصلية التي ألفها الإيطالي كارلو كولودي في عام 1883، وهكذا يقترب الفيلم من الحياة الواقعية للإيطاليين في هذا التوقيت، وهذا بالطبع الاختلاف الأول عن فيلم الرسوم المتحركة الخاص بديزني. 

تبدأ المعالجة الواقعية بظهور أكبر لشخصية الأب الذي يعمل بحرفة النجارة، "جيبيتو" فقير ومعدم، يعاني من الكساد الذي يعاني منه سائر الإيطاليين، لكنه يجد الإلهام من خلال رؤيته لأحد مسارح الدمى المتنقلة، فيقرر أن يصنع دمية، وهكذا تبدأ حكاية بينوكيو، الطفل الخشبي الذي يحلم بأن يكون طفلا حقيقيا. 

رؤية ماتيو غاروني الواقعية عن حياة الفقراء، والتي ظهرت بوضوح من قبل خلال أفلامه السابقة وأبرزها "الرجل الكلب" (Dogman) في عام 2018، تستمر في الظهور عبر حكاية بينوكيو، نراها أولا من خلال حياة "جيبيتو" ثم نراها أكثر من خلال معاناة بينوكيو الذي يتعرض للاستغلال والاختطاف ثم تقابله محكمة عجيبة تأمر بسجن كل من تثبت براءته كما تؤمر بإطلاق سراح كل من تثبت إدانته. 

هذه المعالجة الواقعية تقفز بشكل سلس لتختلط معها العناصر الغرائبية في الحكاية، والتي لا يبذل المخرج أي مجهود في محاولة شرحها، هذه حكاية سحرية وعليك تقبلها كما هي. 

حلو ومر
العنصر المميز في هذه المعالجة الجديدة هو أنها تمزج وبشكل سلس للغاية بين المشاعر الحلوة والمرة للحكاية، فعلى جانب يمكن اعتبار الفيلم فيلما للأطفال، يحتفى بحكاية كلاسيكية يعرفها الجميع.

كما يعتمد بشكل كبير على إنجاز ضخم على مستوى المؤثرات البصرية وتصميم الأزياء والديكور، حيث نشعر وكأننا ننتقل بالفعل لعالم بينوكيو، إيطاليا في أواخر القرن التاسع عشر، حيث الأميرة السحرية التي تمثل الإنقاذ المتجدد لبينوكيو، والشريران اللذان يحملان ملامح ذئب وقط، بالإضافة لخادمة تصنع الكوميديا من خلال تشابهها مع حيوان "الحلزون" الكسول والبطيء. 

المشاعر الجميلة يتوجها بالطبع وجود الممثل الإيطالي المبهج روبرتو بينيني على الشاشة، فهو رجل يصنع البهجة بمجرد حضوره، هذا أيضا ما يحفز المشاعر المُرّة عقب ذلك، حينما يهجر بينوكيو هذا الرجل بعد أن أصبح أمله الوحيد في الحياة أن له ابنا يؤنس وحدته. 

المشاعر المرة تستمر دون فلترة (دون تعديل أو إعادة صياغة)، إذ يسرد لنا "ماتيو غاروني" الحكاية بنسختها الأصلية بدلا من الحكاية الطفولية التي سردتها لنا ديزني، وهنا نتابع معاناة بينوكيو بعد مغادرته لمنزل صانعه ووالده لحظة بلحظة، حتى يتعرض في أحد المشاهد لمحاولة القتل شنقا. 

هذا المزج يوفر جانبا جديا موجها للكبار بكل تأكيد، بالإضافة للجانب الملون والمبهج الموجه لجمهور الفيلم من الأطفال.

الأب والابن
بنظرة أكثر تأملاً للفيلم سنجد أن حكاية بينوكيو ليست فقط عن فتى خشبي يتعلم أن الصدق هو المنجي وأن الكذب والخداع سيقودانه لمعاناة طويلة ومصير سيئ، وهكذا يكتسب في النهاية الحق بالتحول لطفل حقيقي، لكنها أيضا حكاية مليئة بالمواعظ عن علاقة الأب والابن. 

علاقة تبدأ فطرية، ففي العادة الأب يتلقفك من الولادة، وفي حكاية بينوكيو الأب يصنعك بيديه، والحب هنا يأتي دون شروط، لكن هذه العلاقة تتحول لعلاقة قد تقوى أو تضعف بمرور الوقت بناء على ما يبذله الطرفان من مجهود.

في حكاية بينوكيو يستغل الابن محبة الأب، الذي يتركه مرارا وتكرارا يكذب عليه ويخدعه ويهرب منه، وبشكل تلقائي يُترجم هذا لحياة أصعب ومعاناة لا تنتهي، إنها معاناة كانت على وشك أن تنهي حياته بشكل كلي، بل حولته في لحظة ما من طفل إلى حمار سيقضي حياته في العمل الشاق دون شكوى. 

لا يتحول الطفل الخشبي إلى طفل حقيقي في النهاية سوى بإعادة علاقته الجيدة مع والده، حيث تنقلب الأدوار فيبقى الأب في المنزل مُتعبا ومريضا، وتصبح مسؤولية الابن هي العمل الشاق من أجل كسب قوت يومه وما يكفي لإطعام والده وعلاجه.

وهكذا.. وهكذا فقط يكتسب الطفل الخشبي حق التحول لإنسان، وهو ما يمكننا ترجمته إلى الواقع، بالقول إن بالكد والاجتهاد والعناية بالأب يترك الطفل أخيرا أسراب الطفولة ويسلك دروب الرجولة متحولا إلى رجل.

المصدر : الجزيرة