جمعهم فقدان البصر وحب الفن.. أصدقاء مكفوفون يشكلون فرقة موسيقية

سناء القويطي-الدار البيضاء
 
في قاعة صغيرة بالكاد تتسع لآلاتهم الموسيقية، اجتمع أعضاء فرقة أوتار في حصة تدريبية استعدادا لعروض فنية مقبلة، مع الإشارة توقفت الجلبة والتعليقات المازحة وانغمس العازفون في أداء أغنية موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب "كل ده كان ليه"، وتحول كل عازف إلى ناسك في محراب آلته، وانسابت الموسيقى بأنغام منسجمة كسرت الصمت المخيم على مقر إحدى الجمعيات بالدار البيضاء.
 
يقول مروان دادان، مؤسس أول فرقة موسيقية بالمغرب كل أعضائها من المكفوفين، للجزيرة نت "نبصر العالم بالموسيقى، ونتواصل معه بأحاسيسنا، لا تحتاج إلى حاسة البصر لتشعر بالجمال الذي تبدعه تلك الأيادي، أغلق عينيك واستمع بقلبك لألحان الوجود وهي تنبعث من أنامل وجدت في الموسيقى مصالحة مع الذات والعالم، ورسالة بأن العمى إمكانية من إمكانيات الحياة".
 
جمع القدر هؤلاء الشباب في مدرسة للمكفوفين ثم معهد الموسيقى، وفيهما نبتت صداقتهم وأينعت مواهبهم الموسيقية إلى أن قرروا تأسيس فرقة من فاقدي البصر، وهاهم اليوم يعتلون المسارح ليعزفوا على أوتار الأمل موسيقى تنبض بحب الحياة وأغاني صداقة متفردة لم تزدها الإعاقة إلا صلابة وقوة وتماسكا.
 
تحيي فرقة أوتار للمكفوفين حفلات خاصة وعامة وتشارك في مهرجانات في مختلف المدن المغربية (الجزيرة)
تفاؤل وثقة
بين أغنية وأخرى، ينبه عازف البيانو مروان دادان لبعض التفاصيل الدقيقة، يقول للجزيرة نت "إن العناية بالتفاصيل خلال التدريب يجنبهم الخطأ على خشبة المسرح.
وتحيي فرقة أوتار للمكفوفين حفلات خاصة وعامة، وتشارك في مهرجانات في مختلف المدن المغربية، حيث تنشر موسيقى الفرح ورسائل تفاؤل وأمل على كل المسارح.
 
بابتسامة واثقة، يعرب مروان للجزيرة نت عن تفاؤله بالمستقبل ويقول "أنا متأكد بأننا سنكتب اسمنا بحروف من ذهب في عالم الفن، أنا أعي ما أقول وأؤمن بأن كل شيء يحتاج إلى وقت".
 
تأسست الفرقة عام 2013، ولم يكن عدد أعضائها يتجاوز ثلاثة أشخاص، لم يمتلكوا حينها آلات موسيقية خاصة، فكانوا يستعيرون البيانو من المعهد الموسيقي للعزف في الحفلات، ويتحينون أيام العطل للتدريب في إحدى قاعاته.
 
لم توقف العراقيل زحف ربيع أحلامهم ولم تنل من عزيمتهم، بل زادتهم إيمانا بموهبتهم وإصرارا على بناء فرقتهم، ينظر مروان للعقبات والتحديات التي واجهتهم نظرة إيجابية، ويعتبرها جزءا من طريق النجاح.
 
دعم وتلاحم
استقر عدد أعضاء الفرقة الموسيقية في عشرة أشخاص كلهم مكفوفون، يعزفون على آلات البيانو والغيتار والدرامز والعود والكمان، ويتقنون أداء الأغاني الطربية والشعبية، المغربية والشرقية، حسب طلب الجمهور.
 
سارة آخر المنضمين لفرقة أوتار بعدما اكتشف صوتها الدافئ عازف الكمان سعيد خيرات في لقاء عابر، تقول للجزيرة نت إن دعم زملائها الكبير ساعدها على تجاوز الارتباك الذي رافق أول صعود لها على خشبة المسرح.
 
وتشبثت هذه الشابة العشرينية، التي فقدت بصرها قبل ثلاث سنوات إثر حادث سير، بالعمل مع هذه الفرقة كما يتشبث غريق في بحر الظلام بقطعة خشب تحمله إلى بر الأمان والنجاة، ووجدت في الفن شمسا تضيء حياتها المعتمة "لقد ساعدني الغناء مع أوتار على الخروج من قوقعتي وعزلتي بعد فقداني البصر".
 
تستعد فرقة أوتار حاليا لأعمال فنية جديدة وجولات مع الفنان المغربي الكفيف توفيق البوشيتي (الجزيرة)
إحساس عال
يثق مروان في أعضاء فريقه، فهم، على حد وصفه، يجمعون بين الموهبة والتكوين الأكاديمي، هذه المؤهلات جعلت اسم فرقتهم مطلوبا لدى متعهدي الحفلات، ويستعدون حاليا لأعمال فنية جديدة وجولات مع الفنان المغربي الكفيف توفيق البوشيتي الفائز بلقب إستوديو دوزيم وهي مسابقة مغربية لاكتشاف المواهب الغنائية.
 
ووجد الفنان توفيق في فرقة أوتار الموسيقية ما كان يبحث عنه، ويوضح للجزيرة نت أن موهبة هؤلاء الشباب وجديتهم أشعلت حماسه للتعاون معهم في إحياء حفلات فنية وفي مشاريع أخرى سيعلن عنها لاحقا.
 
ويؤمن البوشيتي بالإحساس الفني العالي لأعضاء الفرقة وبإرادتهم القوية في الاستمرار في دربهم، متوقعا لهم النجاح وتجاوز أسباب الفشل التي وأدت محاولات سابقة تأسيس فرق موسيقية للمكفوفين في مهدها.
 
ولا يخفي الفنان المغربي الإعجاب والاهتمام الذي لقيته فكرة تأسيس فرقة فنية للمكفوفين لدى منظمي الحفلات، لافتا إلى تفضيل دعوتهم لإحياء بعض الحفلات النسائية الخاصة، حيث تجد النساء راحتهن في الحفل ولا يجدن حرجا بوجود فرقة رجالية.
 
بالنسبة لمروان وأصدقائه في أوتار، الموسيقى ليست هواية ومهنة فقط، بل هي رفيقة الصبا والملجأ في السراء والضراء، وضوء ينير حياتهم المظلمة، إنها لغتهم لنشر الجمال والحب والصداقة والإحساس الجميل، وكما يحلمون بالوصول إلى العالمية فإن أملهم كبير في أن تستمر صداقتهم ما استمر حبهم المشترك للموسيقى والفن.
المصدر : الجزيرة

المزيد من فن
الأكثر قراءة