صاحب "طوفان في بلاد البعث".. 9 أعوام على رحيل عمر أميرلاي

أميرلاي بدأ أول أفلامه عام 1970 بفيلم تسجيلي عن سد الفرات (الجزيرة)
أميرلاي بدأ أول أفلامه عام 1970 بفيلم تسجيلي عن سد الفرات (الجزيرة)

يارا عيسى 

على الرغم من مرور تسع سنوات على وفاته فإن السوريين لا يزالون يستحضرون أفلام المخرج السينمائي عمر أميرلاي، خصوصا تلك التي تناول فيها طبيعة الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في سوريا. 

كان تفكيك طبائع المجتمع والسلطة أسلوبا ظاهرا في أفلامه، ولا سيما أنها تزامنت مع تحول حزب البعث العربي الاشتراكي إلى الحزب الحاكم في سوريا وهيمنته على جميع جوانب الحياة فيها. 

بدأ أميرلاي أول أفلامه عام 1970 بفيلم تسجيلي عن سد الفرات تناول فيه بناء السد ومدى أهميته، معتبرا إياه إنجازا للحزب وخطوة إيجابية على طريق عصر التطوير، ولكن بعد انهيار أحد السدود وتشقق سدين آخرين كان أحدهما سد الفرات عاد أميرلاي واعتذر عن فيلمه الأول، وبرر دوافعه باعتبار الفيلم "حماسة شاب" كانت لديه طموحات وآمال خابت لاحقا.

وبعد فيلمه الأول أخرج أميرلاي العديد من الأفلام التوثيقية بين سبعينيات وتسعينيات القرن الماضي، مثل "الحياة اليومية في قرية سورية"، و"الدجاج"، و"عن ثورة"، و"رائحة الجنة"، و"شرقي عدن"، و"إلى جناب السيدة رئيسة الوزراء بينظير بوتو" وغيرها الكثير.

أظهرت أغلب أفلام أميرلاي واقع سوريا المتردي، فحالة التوثيق تلك بينت تدهور الحياة الاقتصادية في سوريا، بما فيها ارتفاع الأسعار وحالة النزوح الداخلي بسبب تغير المهن، فعلى سبيل المثال رصد في فيلم "الحياة اليومية في قرية سورية" عام 1974 حياة قرية نائية في منطقة الجزيرة السورية، وكيف حاول نظام الحكم أدلجة شبابها والوقوف في وجه تعليمهم، في محاولة منه لدفعهم إلى الالتحاق بالجيش. 

أما فيلمه "الدجاج" الذي أخرجه عام 1977 في صدد -وهي إحدى القرى السورية التي اشتهرت بصناعة السجاد اليدوي (البسط)- فتحدث فيه عن تغيير سكانها حرفتهم التي توارثوها عبر عقود من الزمن إلى تربية الدواجن، ليعجزوا بعدها عن شراء الأعلاف والأدوية بسبب رفع السلطة ثمنها، مما أثر بدوره في ارتفاع أسعار الدواجن نفسها، ليجدوا أنفسهم مضطرين لتغيير مهنتهم مجددا أو السفر نازحين أو مهجرين. 

لم تلق تلك الأفلام ترحيبا من السلطة، وكان ذلك أحد أهم أسباب رحيل أميرلاي إلى لبنان، ليخرج فيلمه "مصائب قوم" عام 1981، وعلى الرغم من كونه الفيلم الأقل شهرة له في ذلك الوقت فإنه ألقى الضوء على تعامل الإنسان مع الحرب، رابطا آلية تفكيره بالتآلف مع ظروف مأساته التي تصل به أحيانا إلى محاولة الاستفادة من الموت. 

انتشرت أفلام أميرلاي بشكل استثنائي وفريد، إذ إن أغلبها كان صورة مصغرة عن الداخل السوري بكل ما فيه من تفاصيل تستلهم منها واقعا حقيقيا صادقا، وعلى ما يبدو فإن أميرلاي ازداد غيرة على بلاده بازدياد عدد أفلامه وتعمقه في مأساة شعبه، ليأتي في العام 2003 ويفجر قنبلته الصارخة عبر فيلم حمل اسم "طوفان في بلاد البعث". 

ويعد هذا الفيلم من أشهر أعماله، ليعتذر من خلاله عن فيلمه الأول، ويتلخص الفيلم في حكاية القرى التي غمرها نهر الفرات بعد إنشائه، وما نتج عن ذلك من ظروف معيشية سيئة للقاطنين فيها، حتى أن بعضها دمر بشكل كامل.

يذكر أن عمر أميرلاي قد ولد في العاصمة السورية دمشق عام 1944، ودرس المسرح في جامعة "مسرح الأمم" بالعاصمة الفرنسية باريس، وتوفي يوم 5 فبراير/شباط 2011 في منزله بدمشق إثر نوبة قلبية، قبل أن تنطلق الثورة السورية على النظام الذي لطالما انتقده.

المصدر : الجزيرة