"دار الخرطوم جنوب".. ذاكرة الموسيقى السودانية

تبادل الخبرات والتجارب بين المنتسبين عزز من القيمة الفنية لدار الخرطوم جنوب (الجزيرة)
تبادل الخبرات والتجارب بين المنتسبين عزز من القيمة الفنية لدار الخرطوم جنوب (الجزيرة)

إسماعيل تيسو-الخرطوم

"أصبح الصبحُ فلا السجنُ ولا السجانُ باقٍ

وإذا الفجر جناحان يرفانِ عليك.. وإذا الحزن الذي كحَّل هاتيك المآقي

والذي شد على الدرب وثاقا لوثاقِ.. والذي بعثرنا في كل وادي

فرحة نابعة من كل قلب يا بلادي"

من قصيدة محمد الفيتوري وهي واحدة من أشهر ما تغنى بها فنان أفريقيا الأول محمد وردي، وهي كذلك أشهر الأغنيات التي شهد ميلادها بلاط "دار الخرطوم جنوب" للغناء والموسيقى والمسرح.

فقد كان وردي يتخذ من "دار الخرطوم جنوب" للغناء والموسيقى والمسرح، منصة لانطلاق أعماله الفنية وتنفيذ أغنياته بواسطة الفرقة الموسيقية، ولم يكن ذلك إلا لقناعة فنان أفريقيا الأول بقدرات وإمكانيات عازفي هذه الدار.

ومثل وردي، صدح رائد مذهب الرومانسية في السودان عثمان حسين، وحضر مصطفى سيد أحمد صاحب مدرسة التجديد في الأغنية السودانية وغيرهما من عمالقة الغناء السوداني.

كوكبة من المبدعين
كانت دار الخرطوم جنوب للغناء والموسيقى قد تعطرت منذ نشأتها في خمسينيات القرن الماضي بالصوت الملائكي للفنانة منى الخير، سلطانة الطرب وأيقونة الغناء النسوي في السودان.

ولم تغب الأنامل الموسيقية عن الحضور في مشهد دار الخرطوم للغناء والموسيقى، فقد حفظت ذاكرة هذه الدار أسماء من أمهر العازفين والموسيقيين الذي جمّلوا وجدان الشعب السوداني بموسيقاهم وألحانهم العذبة، منهم على سبيل المثال عبد الله حامد العربي أمهر عازف كمان في تاريخ الموسيقى بالسودان.

وبجانب العربي قدمت دار الخرطوم جنوب، محمد عبد الله محمدية العمود الفقري للأوركسترا السودانية، بيد أن الملحن العبقري خليل أحمد، كان قد سبق محمدية والعربي في مضمار الانتماء لدار الخرطوم جنوب للغناء والموسيقى والذي قدم ألحانا شجية لعدد من المطربين بمن فيهم منى الخير ومحمد وردي.

ومنذ عام 1954 تعاقبت الأجيال جيلا بعد جيل، وظل وعاء دار الخرطوم جنوب ينضج بما فيه من إبداع موسيقي وغنائي، يغذي المشهد الفني بكوكبة من المبدعين الذين أصبحوا ملء السمع والبصر في شتى مجالات الفنون الموسيقية والغنائية.

‪الأجيال في دار الخرطوم جنوب‬ تعاقبت(الجزيرة)

مركز للإشعاع الثقافي
جغرافية المكان وضعت الدار جنوب الخرطوم، حيث تضم عددا من الأحياء العتيقة مثل السجانة، والديوم، والقوز، والحلة الجديدة وغيرها، بيد أن حميمية المكان، ميزت دار الخرطوم جنوب، لتكون بوتقة انصهر فيها جميع أهل الموسيقى من شتى بقاع السودان.

فدار الخرطوم جنوب للغناء والموسيقى، تحتضن مختلف المكونات الموسيقية من أصوات وكلمات وألحان وآلات، أضفت جميعها على الدار عبقا جعل منها سودانا مصغرا.

يقول محمد سراج الدين رئيس دار الخرطوم جنوب للموسيقى والغناء والمسرح، إن الدار ظلت مركزا للإشعاع الثقافي في السودان، لتميزها بالجدية وتفاعلها الكبير مع القضايا الوطنية.

ويفصح سراج الدين في حديثه للجزيرة نت عن الأهداف التي انطلقت منها دار الخرطوم جنوب والمتمثلة في الارتقاء بالغناء والموسيقى، وتطوير القدرات الفنية وتأهيل المبدعين والحفاظ على الإرث الثقافي والفني الذي خلفه الفوج الأول من الموسيقيين السودانيين.

غياب المسرح
تحسر رئيس دار الخرطوم جنوب للغناء والموسيقى والمسرح على تراجع المسرح عن منظومة الفنون التي تقدمها الدار لأسباب مختلفة لم يفصح عنها، ولكنه ألمح إلى إمكانية إعادة السيرة الأولى للمسرح باعتباره "أبا الفنون"، ويعالج الكثير من القضايا الاجتماعية والسياسية.

جوائز فنية
يكشف الأمين العام لدار الخرطوم جنوب للموسيقى والغناء والمسرح أمير عثمان في حديثه للجزيرة نت عن فوز دار الخرطوم جنوب للموسيقى والغناء والمسرح بثلاث جوائز من خلال ثلاث مشاركات متتالية في مهرجان ميلاد الأغنيات الذي تنظمه وزارة الثقافة في السودان.

وحول مشاركة دار الخرطوم جنوب في فعاليات خارجية يقول عثمان، إن الدار لم تشارك بشكل رسمي، ولكن عددا من منسوبيها ظلوا يشكلون حضورا ويمثلون السودان في عديد المنابر والمحافل الخارجية على الصعيدين العربي والدولي، ضاربا المثل بالفنان عمر إحساس الذي يمثل رمزية للغناء الشعبي والفلكلوري في دارفور.

ارتياح رغم صعوبة المهنة
تبدي ابتهال إدريس أتيم وهي عازفة كيبورد وخريجة كلية الدراما والموسيقى، ارتياحها في العمل ضمن كوكبة العازفين في دار الخرطوم للموسيقى والغناء.

ورغم صعوبة اشتغال المرأة بالموسيقى في السودان، فإن ابتهال لم تشعر بذلك، وتُرجع السبب إلى الأجواء التي وجدتها في دار الخرطوم جنوب من خلال التعاون الفني والتواصل الاجتماعي بين الزملاء، مما انعكس إيجابا على تفاعلها وتطورها المتسارع.

‪ابتهال إدريس تبدي ارتياحها في العمل ضمن كوكبة العازفين بدار الخرطوم جنوب للموسيقى والغناء‬ (الجزيرة)

فعاليات وأنشطة مكثفة
يقول الفاتح محمد أحمد كرمي أحد أبرز عازف الأكورديون في السودان، إن دار الخرطوم جنوب تتميز بكثافة الفعاليات والأنشطة الفنية، مما جعلها تسحب البساط من كل المنتديات والأندية المعنية بالغناء والموسيقى في العاصمة.

وعن أبرز الفعاليات التي ظلت تنتظم دار الخرطوم جنوب يقول كرمي، إن الدار درجت على تخليد ذكرى الفوج الأول من عمالقة الغناء السوداني، من خلال تنظيم ليال غنائية يتغنى فيها الشباب بأغنيات الرواد.

ويتناول كرمي أهمية دار الخرطوم جنوب في تطوير قدرات المطربين الشباب من خلال التنظيم المستمر لجلسات الاستماع بهدف تقييم أعمالهم، وذلك بحضور المعنيين بالأمر من نقاد وموسيقيين وأكاديميين.

"لي أكثر من 15 سنة في هذه الدار" يبتدر عازف الكمان عماد عبيد عبد الله حديثه للجزيرة نت ويضيف أن دار الخرطوم قد طورت قدراته وصقلت موهبته بشكل مذهل.

ويشير عبيد عبد الله إلى عاملي تبادل الخبرات والتجارب وتميز العلاقات بين المنتسبين للدار بمختلف الأعمار، الأمر الذي خلق أرضية خصبة لتواصل الأجيال، وعزز من القيمة الفنية العالية لدار الخرطوم جنوب للغناء والموسيقى.

 
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من فن
الأكثر قراءة