"خرجت ولم تعد".. كيف ظهرت فلسطين في السينما المصرية؟ ولماذا اختفت؟

A Palestinian woman hurls rocks towards Israeli forces October 7, 2000 in the West Bank town of Hebron on the tenth consecutive day of clashes between Palestinians and Israeli forces. EH
بداية الألفية الثالثة شهدت عصرا ذهبيا للقضية الفلسطينية على شاشة السينما المصرية خصوصا بعد اشتعال الانتفاضة الفلسطينية (رويترز)

حسام فهمي 

المتتبع للسينما المصرية خلال المئة عام الماضية بل خلال ما يزيد على ذلك سيجد أنها كانت وما زالت وسيلة سياسية معبرة عن مزاج السلطة المصرية دائما، والمجتمع المصري أحيانا. 

وفي القلب من هذا الأثر السياسي كان الصراع العربي الإسرائيلي حاضرا، وبالتحديد القضية الفلسطينية التي يعتبرها العرب قضيتهم الأولى والأزلية، خاصة أنها قضية الشعب العربي الوحيد الذي يعاني من احتلال واغتصاب أرضه من قوى عسكرية أجنبية حتى اليوم. 

الغريب أن القضية الفلسطينية ورغم استمرار اشتعالها قد بدأت شيئا فشيئا تختفي عن شاشة السينما المصرية، ليصبح الأمر مثيرا للتساؤل، خاصة مع اقتراب الولايات المتحدة وإسرائيل من دفن هذه القضية في قبر عميق لا مهرب منه، وذلك من خلال خطة السلام الأميركية المعروفة إعلاميا باسم "صفقة القرن" والتي تستولي إسرائيل بموجبها على آخر ما تبقى من فلسطين، ويبقى الشعب مسجونا فيما تبقى من فتات لا يمثل حتى عشر الأراضي الفلسطينية المحتلة، فكيف اختفت فلسطين من أعرق وأقدم سينمات المنطقة العربية إذًا؟ 

النكبة والأسلحة الفاسدة
قد تكون البداية الأهم لظهور القضية الفلسطينية في السينما المصرية من خلال الأفلام المصرية التي تحدثت عن حرب عام 1948 بين العرب وعصابات الصهاينة، والتي اشتهرت في مصر خصوصا بأنها أحد أسباب قيام تنظيم "الضباط الأحرار" بانقلاب عام 1952 ضد الملك فاروق، والذي اتهمه التنظيم بالتسبب في نكبة 48 نتيجة إمداده الجيش المصري بصفقة من الأسلحة الفاسدة. 

الحديث عن فلسطين في الخمسينيات والستينيات إذًا كان برضا سلطة الرئيس المصري آنذاك عبد الناصر ورفاقه، ونذكر هنا فيلمين تم إنتاجهما في عام 1957 هما "أرض السلام" من إخراج كمال الشيخ وبطولة عمر الشريف وفاتن حمامة، و"رد قلبي" من إخراج عز الدين ذو الفقار وبطولة شكري سرحان ومريم فخر الدين.

الحرب والسلام
في السبعينيات والثمانينيات تأثرت السينما المصرية دون شك بأحداث حرب أكتوبر 1973 ضد إسرائيل، ثم معاهدة كامب ديفد 1978، حيث اختفت فلسطين من السينما تقريبا في الفترة بين حرب الأيام الستة أو نكسة حزيران 67 وحرب 1973، باستثناء قد يكون وحيدا هو فيلم "المخدوعون" للمخرج المصري توفيق صالح عام 1972 ولكنه بطاقم أغلبه غير مصري.

في الثمانينيات سيطرت أجواء معاهدة السلام لتعود القضية الفلسطينية على استحياء في أوائل التسعينيات بشكل قد يكون غير جدي من خلال مجموعة أفلام نادية الجندي المخابراتية، وأشهرها "مهمة في تل أبيب" عام 1992، وبشكل أكثر جدية من خلال شخصية الفدائية الفلسطينية التي ساعدت الفرقة البحرية المصرية في تنفيذ مهمة ضد إسرائيل في فيلم "الطريق إلى إيلات" في عام 1993، كما يجب أن نتذكر هنا أيضا فيلم "ناجي العلي" عام 1991 من بطولة نور الشريف وإخراج عاطف الطيب. 

السينما النظيفة
شهدت نهاية التسعينيات وبداية الألفية الثالثة عصرا ذهبيا للقضية الفلسطينية على شاشة السينما المصرية، خصوصا نتيجة اشتعال الانتفاضة الفلسطينية في ذلك التوقيت، واستشهاد الطفل الفلسطيني محمد الدرة أمام عدسات كاميرات وكالات الأنباء العالمية.

ظهر العلم الإسرائيلي مشتعلا حتى في أفلام كوميدية، أبرزها بالطبع فيلم "صعيدي في الجامعة الأميركية" عام 1998 من بطولة محمد هنيدي، وظل هنيدي وفيا للقضية فظهر مرة أخرى وهو يلقي الحجارة على قوات الاحتلال الإسرائيلي في فيلم "جاءنا البيان التالي"، كما كان عدوه اللدود في "همام في أمستردام" شاب صهيوني يعيش في هولندا أيضا، واستمر الأمر على المنوال نفسه وصولا إلى فيلم "عندليب الدقي".

ظهرت القضية الفلسطينية أيضا خلال تلك الفترة في العديد من الأفلام، منها بالطبع "أصحاب ولا بيزنس" من بطولة عمرو واكد ومصطفى قمر، وحتى في الفيلم الكوميدي "رحلة حب" من بطولة محمد فؤاد وأحمد حلمي، وشاهدنا مظاهرات مدرسية تعاطفا مع القضية الفلسطينية عقب مقتل الدرة.

وترك مقتل الدرة أثرا أيضا في فيلم "السفارة في العمارة" من بطولة عادل إمام في عام 2006، والذي شهدنا فيه مقتل طفل فلسطيني على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي، وفي الفترة نفسها أيضا تابعنا فيلم "باب الشمس" للمخرج المصري يسري نصر الله عام 2004 وإن كان فريق التمثيل غير مصري.

اختفاء
مع نهاية العقد الأول من الألفية الثالثة واشتعال ثورة يناير انشغل المصريون دون شك في ثورتهم التي لم تكن سعيدة الحظ على مستوى السينما أيضا، فلم يتم توثيقها إلا في أفلام معدودة خلال عامي 2011 و 2012، ومع نجاح انقلاب 2013 في الإطاحة برأس السلطة الرئيس المصري الراحل محمد مرسي وعودة الحكم العسكري مرة أخرى اختفت هذه الثورة من السينما، كما اختفت فلسطين تماما أيضا.

وكمثال على ذلك، في عام 2017 وأثناء فترة التجنيد الإجباري للممثل المصري محمد رمضان في الجيش المصري صنع رمضان فيلمين، الأول هو فيلم تسجيلي عن سلاح الصاعقة المصري حمل اسم "حراس الوطن"، وفيه يبدو أن العدو الأهم للدولة المصرية هو "الإرهاب" وليس إسرائيل.

أما الفيلم الآخر فهو فيلم درامي حمل اسم "جواب اعتقال"، وفيه يظهر رمضان إرهابيا نادما بعد أن ضمت الجماعة التي كان ينتمي لها أحد أفراد أسرته، ويحارب رمضان في هذا الفيلم إرهابا وصمه صناع الفيلم بالانتماء إلى الشام، ليتماشى الأمر مع اتهام السلطات المصرية الدائم للفلسطينيين والسوريين بالتورط في عمليات إرهابية داخل مصر، وأشهر هذه الاتهامات بالطبع كانت حوادث اقتحام السجون في أعقاب ثورة يناير.  

ظهرت إسرائيل على الرغم من ذلك كعدو في فيلم وحيد يتحدث عن مرحلة حرب الاستنزاف عقب نكسة 67، وهو فيلم "الممر" في عام 2019، ولكن دون أي ذكر للقضية الفلسطينية. 

ويبدو إذًا أن نظام مبارك ورغم محافظته على علاقات تجارية واقتصادية مع إسرائيل فإنه كان راضيا عن ظهور غضب شعبي مصري وتضامن مستمر مع حقوق الشعب الفلسطيني كما يرى مراقبون ونقاد، وهو الأمر الذي تغير تماما مع السلطة المصرية الحالية التي تحاول تغيير عقيدة المصريين ليصبح "الإرهاب" -كما تصفه السلطة المصرية- هو العدو الأول وليس إسرائيل.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المشاء- الكاريكاتير في الكويت.. من حنظلة إلى أبي قتادة

يستعمل الفن كسلاح مقاومة لكشف جرائم الاحتلال الصهيوني، ولتأريخ النضال الفلسطيني على مدار تاريخه الطويل، وفي هذا التقرير نستعرض أهم الفنانين الفلسطينيين الذي تناولوا قضايا الشعب الفلسطيني في لوحاتهم.

Published On 1/12/2019
المزيد من فن
الأكثر قراءة