فيلم الموصل على نتفليكس يثير جدلا كبيرا في العراق

فيلم "الموصل" يروي المعارك التي شهدتها المدينة بين القوات العراقية وتنظيم الدولة (نتفليكس)
فيلم "الموصل" يروي المعارك التي شهدتها المدينة بين القوات العراقية وتنظيم الدولة (نتفليكس)

أثار فيلم "الموصل" الذي عرضته منصة نتفليكس الجدل في الشارع العراقي، بسبب طبيعة تناوله للمعارك التي شهدتها المدينة بين القوات العراقية وتنظيم الدولة الإسلامية في الفترة بين عامي 2016 و2017، مما دفع بعض صناع الفيلم للرد على ذلك وتوضيح الصعوبات التي واجهتهم أثناء تصويره.

مجموعة من الممثلين يتوسطهم مدرب اللهجة العراقية عباس عبد الغني (الجزيرة)

حبكة الفيلم

اعتمد منتجو فيلم "الموصل" على مقال نشر في صحيفة نيويوركر (New Yorker) الأميركية عام 2017، عنوانه "الحرب اليائسة لتدمير تنظيم الدولة"، وتناول قصة مجموعة من فرقة التدخل السريع (سوات) في محافظة نينوى التي كافحت في حربها ضد التنظيم الذي سيطر على الموصل بين عامي 2014 و2017.

يقول المنتج المنفذ للفيلم محمد الدراجي إن صناعة فيلم عراقي عن الموصل بهذه الضخامة يعد إنجازا للعراقيين، خاصة أنه أنتج من قبل شركات عالمية رصينة ومعروفة في العالم، مما وضع العراق في خارطة الإنتاج السينمائي التجاري.

ويضيف الدراجي -في حديث حصري للجزيرة نت- أن العراق لم يسبق له أن شارك في فيلم عالمي بهذه الضخامة، خاصة أن الفيلم أوصل جزءا مما حدث في الموصل لرواد السينما العالمية وبميزانية زادت على 15 مليون دولار.

أما ما يتعلق بالحبكة، فيؤكد الدراجي أن الانتقادات الموجهة للفيلم لم تكن دقيقة، إذ إنه لم يكن انعكاسا حقيقيا لما حدث في معركة الموصل، ولا يمكن لفيلم من 90 دقيقة أن ينقل ما حدث لأشهر في معارك مدينة الموصل القديمة التي استمرت 5 أشهر، موضحا أنه حكى قصة مجموعة مقاتلة من الشرطة العراقية حاربت التنظيم في 5 شوارع داخل المدينة القديمة، ولمدة 3 ساعات فقط.

وأشار إلى أن ذلك يعني أن الفيلم ليس وثائقيا بل اعتمد رواية ما حدث لأبطال الفيلم، وفق قصة معينة طورها كاتبه ومخرجه، وجاء محاولة لإظهار العراقيين أبطالا لأجل تحرير مدينتهم وعائلاتهم بما يحاكي الروح الإنسانية لدى العراقيين.

منسي رأى أن الروحية العراقية كانت غائبة عن الفيلم (الجزيرة)

غياب الروحية العراقية

أما كاتب السيناريو العراقي صلاح منسي، فيرى من جانبه أن سيناريو فيلم الموصل كان محاكاة لطريقة كتابة سيناريو الأفلام الأميركية مع إقحام القصة العراقية، كاشفا عن خطأ ذلك في غياب الروحية العراقية في الفيلم.

وينتقد منسي -في حديثه للجزيرة نت- الطريقة السردية الغربية في المخاطبات بين الممثلين خلال أحداث الفيلم، دون أن يكون هناك انطباع عن الطباع العراقية، كما أن ذبح قوة سوات نينوى لبعض المنتمين لتنظيم الدولة لم يكن منطقيا، فضلا عن أن روحية الضابط العراقي لم تكن موجودة.

ويسهب منسي في انتقاده ليشير إلى مشهد تناول استراحة القوات العراقية في منزل مهجور، وتصويرهم أنهم كانوا يشاهدون مسلسلا خليجيا على التلفزيون، وتساءل كيف تسنى لهم ذلك ولم تكن هناك كهرباء في مدينة الموصل القديمة، إضافة إلى أن تنظيم الدولة كان قد صادر أجهزة استقبال البث الفضائي منذ سيطرته على المدينة.

من جهته، يشير عباس عبد الغني -وهو أحد صناع الفيلم ومدرب اللهجة العراقية فيه- إلى أن الفيلم لم يتناول معركة تحرير الموصل، بل روى حالة خاصة لمجموعة من قوات سوات حاولت تحرير عائلاتها خلال المعارك بعد الخروج عن أوامر القادة العسكريين.

عبد الغني (يسار) أكد أن الممثلين العراقيين لم يحصلوا على تأشيرات الدخول إلى المغرب (الجزيرة)

مآخذ على اللهجة

وعلى الرغم من إنتاج الفيلم باللهجة العراقية، فإن كثيرا من المتابعين وجدوا صعوبة في فهم الكلام، وهو ما يعزوه عبد الغني إلى أن المخرج ماثيو ميشيل كارناهان شكل فريق تمثيل من العراقيين، إلا أنهم لم يتمكنوا من الوصول إلى مواقع التصوير في المغرب بسبب عدم منحهم تأشيرة دخول (فيزا).

عبد الغني -المقيم في المغرب والمنحدر من مدينة الموصل والمتعاقد مع شركة إكبو العالمية للإنتاج- أوضح أن الممثل العراقي سهيل دباج الذي مثل دورا رئيسيا عبر شخصية الرائد جاسم، يحمل الجنسية الأميركية، لافتا إلى أن المخرج حاول جاهدا المجيء بالممثل العراقي المعروف جواد الشكرجي، إلا أن عدم منحه تأشيرة حال دون ذلك.

وعن اللهجة التي استخدمت في الفيلم، أكد عبد الغني -في حديثه للجزيرة نت- أنها كانت وسيطة بين البغدادية والموصلية، وأنه واجه صعوبات بالغة في تدريب الممثلين على اللهجة العراقية الصعبة النطق، لافتا إلى أن تدريب الممثل التونسي الذي مثل دور المقاتل الكردي كاوه، استمر أسبوعين وبمعدل 10 ساعات يوميا.

الممثل العراقي المعروف جواد الشكرجي الذي كان مرشحا للمشاركة في الفيلم، كشف للجزيرة نت أنه لم يتمكن من الحصول على تأشيرة لدخول المغرب، مما حال دون مشاركته وباقي زملائه العراقيين في الفيلم.

محمد سالم اعتبر أن إقحام قوات سوات نينوى في الفيلم لم يكن موفقا (الجزيرة)

ما له وما عليه

وكثيرة هي المآخذ التي سجّلت على الفيلم، إذ يرى صانع الأفلام المخرج الموصلي علي عمر أنه من الناحية الموضوعية فإن الفيلم كان تجاريا، ولا يُعوَّل عليه في إيصال ما حدث في الموصل.

وأفاد عمر -في حديثه للجزيرة نت- بأن مقدمة الفيلم أشارت إلى اعتماده على مقال في صحيفة أميركية، غير أن الحقيقة أن قوات سوات نينوى لم تشارك أصلا في معارك تحرير الموصل القديمة، وأن جهاز مكافحة الإرهاب التابع للجيش العراقي كان له الدور الأكبر في ذلك.

ويشير إلى أن الحشد الشعبي العراقي لم يشارك أساسا في تحرير مدينة الموصل، واقتصرت عملياته على محيط المدينة خلال العمليات العسكرية، لافتا إلى أن نتفليكس حاولت تمرير رسائل سياسية في ذلك.

ليس هذا فحسب، بل يضيف عمر أن المتابع لم يشاهد هوية الموصل فيه، وكان بالإمكان تسمية الفيلم بأسماء مدن كثيرة سيطر عليها التنظيم كالرقة السورية وسرت الليبية، مستنتجا أن نتفليكس وضعت اسم الموصل لغايات تسويقية على اعتبارها أعظم معركة حرب شوارع في العصر الحديث.

أما عن الإخراج، فيؤكد أن هناك كثيرا من الأخطاء الإخراجية خاصة ما يتعلق بقبض الشرطي كاوه وصديقه على متاجرين بالمخدرات، إذ من غير المنطقي أن تبحث القوات عن المخدرات في خضم معركة ضارية، عازيا ذلك إلى أن المخرج ماثيو كرانهام كان في تجربته الإخراجية الأولى، وهو ما تسبب بهذه الإشكالات التي وصف بعضها بالساذج.

أما المراسل الحربي من الموصل محمد سالم، فرأى أن إقحام قوات سوات نينوى في الفيلم لم يكن موفقا، مؤكدا أن من شارك في تحرير الموصل القديمة هو جهاز مكافحة الإرهاب وقوات الرد السريع فقط، التابعين للجيش العراقي.

وانتقد سالم -الذي رافق قوات مكافحة الإرهاب خلال معارك الموصل القديمة- تغييب معاناة المدنيين فيها، فضلا عن أن الفيلم لم يحاك أزقة المدينة الضيقة التي لا تصلح لدخول عجلات الهامفي العسكرية إليها.

ويضيف في حديثه للجزيرة نت أن إظهار عجلات الهامفي تتنقل بحرية داخل الموصل القديمة أمر خاطئ، إذ إن المنطقة كانت ملغمة بالكامل، وكانت القوات العراقية تستغرق ساعات للانتقال من بيت إلى آخر راجلة.

وهو ما يؤيده الناقد السينمائي العراقي علاء المفرجي في حديثه للجزيرة نت، حيث يرى أن هناك أخطاء تمثلت في أن القوات العراقية لم تكن موكلة بتحرير عائلات منتسبيها، لافتا إلى أن الفيلم أظهر قوات سوات نينوى على أنها تتجول بحرية دون رقيب أو حسيب من قيادة العمليات المركزية، مما أظهر معركة الموصل كأنها عشوائية.

المفرجي قال إن الموصل أول فيلم هوليودي يظهر فيه العربي بطل حرب وليس متوحشا كما جرت العادة (الجزيرة)

إيجابيات

أما عن الإيجابيات، فيرى المفرجي أن عناصر نجاح كبيرة توفرت للفيلم خاصة أنه من إنتاج الأخوين روسو، وهما من أكثر الأسماء اللامعة في هوليود، حيث أنتجا فيلم "المنتقمون: نهاية اللعبة" (Avengers: Endgame) الحاصل على عائدات قياسية، مضيفا أن هوليود خرجت عن الصورة النمطية في تصوير العربي على أنه متوحش، ويعد هذا أول فيلم يظهر فيه العربي والعراقي بطل حرب.

وبالعودة إلى عبد الغني، فإنه يؤكد أن الفيلم يعد عراقيا بامتياز، وأن طواقم الفيلم كانت الأفضل عالميا، خاصة ما يتعلق بالمؤثرات البصرية والصوتية، وأن مدير تصوير الفيلم مار فيور هو ذاته مدير تصوير فيلم "أفاتار" (Avatar) الحائز على الأوسكار، فضلا عن المحاكاة الكبيرة لأزقة الموصل القديمة.

أما علي عمر، فيرى أن الفيلم وبغض النظر عن الملاحظات، هو أول فيلم ينتج باللهجة العراقية بطريقة عالمية، فضلا عن أن الإنتاج والمؤثرات البصرية كانت متقنة للغاية، وأن البصمات الهوليودية كانت واضحة.

مغالطات مجتمعية

كثيرة هي الأخطاء التي أثارها العراقيون في الفيلم، حيث يرى كاتب السيناريو صلاح منسي أن صناعة المشكلة وتدرجها إلى العقدة والحل تعد أميركية بامتياز، خاصة أن طريقة معالجة العراقيين للمشكلات وخاصة خلال الحرب تختلف جذريا.

ويضيف أن الأعراف العراقية غابت عن الفيلم، إذ إن المشهد الأخير عندما اقتحم المقاتل أمير بيته وقتل أحد أفراد التنظيم، تضمن خطأ اجتماعيا لم يراعه الفيلم، إذ إن العُرف العراقي يمنع بقاء زملاء أمير في ذات الغرفة حيث عانق زوجته وأخبرته بأنها حبلى من مقاتل في التنظيم أمام زملائه.

وردا على جميع ما أثير على الفيلم من ملاحظات وأخطاء، يؤكد منتجه المنفذ محمد الدراجي أن إنتاجه باللغة العربية واللهجة العراقية كان مجازفة كبيرة جدا خاصة لشركة مثل نتفليكس، مضيفا أن أي فيلم من 90 دقيقة لا يستطيع شرح ملابسات معركة الموصل وكيف سيطر التنظيم على المدينة، مؤكدا أن ما حصل من إبراز دور سوات نينوى فقط لا يعني إلغاء دور بقية القوات العراقية المحررة.

واعتبر أن التركيز على خروج قوات سوات نينوى عن الأوامر كان لضرورة درامية فقط، مضيفا أن غياب الكثير من التفاصيل لا يعني خللا في حبكة الفيلم الدرامية، خاصة أنه لم يتطرق لأسباب سقوط الموصل بيد تنظيم الدولة.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

تحاول السينما العراقية تحريك عجلة الفن السابع التجارية التي مرت بسنوات عجاف منذ تسعينيات القرن الماضي، فيعرض الآن بالعاصمة الفيلم “إلى بغداد” للمخرج أنور الياسري.

27/2/2020
المزيد من فن
الأكثر قراءة