فيلسوف البسطاء.. صلاح جاهين شاعر الفرح الذي أصابته السياسة بالاكتئاب

الشاعر صلاح جاهين ترجم مشاعر المصريين وأفراحهم وهزائمهم في كلمات (مواقع التواصل الاجتماعي)
الشاعر صلاح جاهين ترجم مشاعر المصريين وأفراحهم وهزائمهم في كلمات (مواقع التواصل الاجتماعي)

ترجم مشاعر وأحلام وأفراح وأحزان ملايين المصريين بكلمات شديدة البساطة لكنها حملت حالة من الدفء والإنسانية والعمق، فالشاعر والمبدع صلاح جاهين -الذي تمر ذكرى ميلاده اليوم 25 ديسمبر/كانون الأول حيث ولد في عام 1930- شكل حالة خاصة في الإبداع المصري، سواء بإسهاماته في كتابة الأغاني ورباعياته الشهيرة ورسم الكاريكاتير، وبالأفلام التي تولى كتابتها أحيانا، وتجاربه أيضا في الإنتاج، فجاء مختلفا في تفاصيله، وحملت أعماله بعدا إنسانيا.

ولادة متعثرة

كانت ولادة صلاح جاهين -واسمه الحقيقي محمد صلاح الدين بهجت أحمد حلمي- في حي شبرا متعثرة، فخرج إلى الحياة أزرق اللون حتى استعاد أنفاسه، ويبدو أن هذا التعثر لدخوله الحياة تجلى لاحقا في حالته النفسية التي تأرجحت بين الفرح والاكتئاب الذي عاشه لفترات.

الهوية المصرية

كان والد صلاح جاهين المستشار بهجت حلمي يعمل في السلك القضائي، وهو ما شكل جزءا كبيرا من معرفة جاهين لاحقا بنمط حياة المصريين عن قرب من مختلف المحافظات التي كان ينتقل إليها والده بحكم عمله، فاستطاعت أن تشكل وقتها جزءا من وجدانه، والتعمق في الهوية المصرية بكل تفاصيلها، وهو ما ظهر فيما بعد من خلال أعماله الشعرية.

الشعر والكاريكاتير

لم يكمل صلاح جاهين دراسته في كلية الفنون الجميلة، فقرر أن يلتحق بكلية الحقوق تنفيذا لرغبة والده، لكن ذلك لم يمنعه من تحقيق حلمه في عالم الكتابة، فبدأ حياته العملية بالفعل في جريدة "بنت النيل"، وأصدر وقتها ديوانه الأول "كلام سلام"، وأعقبها بدواوين مثل "موال عشان القنال" و"الرباعيات" في عام 1963، وبعد ذلك بعامين "قصاقيص ورق"، وقصيدته الشهيرة "على اسم مصر"، و"البيانولا".

ولم تكن علاقة صلاح جاهين بالكاريكاتير قديمة لكنها بدأت في الخمسينيات بعد أن التحق بمجلة روز اليوسف، وساهم في تأسيس مجلة "صباح الخير" لاحقا، واشتهر بشخصيات مثل الفهامة وقيس وليلى ودرش، وكان حريصا في أعماله على التعبير عن هموم الناس، فلقب بـ"فيلسوف البسطاء"، و"الضاحك الباكي".

الممثل والمنتج والسيناريست

شارك صلاح جاهين في بعض الأعمال السينمائية كممثل، ففي الخمسينيات قدم شخصية "فهمي في فيلم "من غير ميعاد"، وشخصية الشيخ سيد في فيلم "المماليك"، وشخصية "بدير" في فيلم "لا وقت للحب"، و"المعلم طرزان"، و"اللص والكلاب".

وكتب سيناريوهات العديد من الأفلام، منها "خلي بالك من زوزو" الذي حقق نجاحا كبيرا، فاستمر عرضه أكثر من 54 أسبوعا متواليا، وكتب أيضا "شفيقة ومتولي"، و"المتوحشة"، ومسلسل "هو وهي"، كما كتب سيناريو "أميرة حبي أنا" والذي قام بإنتاجه أيضا، كما أنتج "عودة الابن الضال" للمخرج يوسف شاهين.

كما ارتبط بالعديد من الفنانين وقتها مثل سعاد حسني التي اعتبرته الأب الروحي لها، وقدمت بطولة أغلب سيناريوهاته، وكانت سببا في حماسه لتجربة الإنتاج، وأثر كثيرا في الفنان الراحل أحمد زكي، والفنان علي الحجار الذي قدم الرباعيات بصوته.

شاعر الثورة الذي أهلكته السياسة

"قالوا السياسة مهلكة بشكل عام.. وبحورها يا بني خشنة مش ريش نعام.. غوص فيها تلقى الغرقانين كلهم.. شايلين غنايم.. والخفيف اللي عام.. عجبي" رباعية لجاهين تعبر عن علاقته بالسياسة التي لم يكن بعيدا عنها، بل كان جزءا أصيلا منها حتى لقب بـ"شاعر الثورة" في مرحلة الستينيات بعد أن قدم مجموعة من الأغاني التي شهدت تعاونا بينه وبين المطرب عبد الحليم حافظ وألحان كمال الطويل، منها "صورة"، و"يا أهلا بالمعارك"، و"إحنا الشعب"، و"بالأحضان"، و"بستان الاشتراكية"، و"ناصر يا حرية".

لكن تلك الروح الثورية التي بداخله سرعان ما تحولت إلى حالة شديدة من اليأس والهزيمة والندم بعد العدوان الإسرائيلي 1967، فأصيب بالاكتئاب وقتها، وتدهورت حالته الصحية فسافر للعلاج في روسيا، وعاد ليبدأ مرحلة جديدة في مشواره، وهي ليست المرة الوحيدة التي أصيب فيها بالاكتئاب، حيث عانى أيضا عقب وفاة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.

الليلة الكبيرة والفوازير

كما كانت لصلاح جاهين أيضا إسهامات في المسرح الغنائي، فهو صاحب الأوبريت الشهير "الليلة الكبيرة" مع المخرج صلاح السقا، وأوبريت "القاهرة في ألف عام" الذي شهد بدايات أحمد زكي الفنية.

وفي مرحلة الثمانينيات لم ينقطع العطاء الإبداعي لجاهين الذي قدم محتوى مختلفا، سواء من خلال مسلسل "هو وهي" في عام 1985، أو تقديمه فوازير رمضان مع نيللي، والتي حققت نجاحا كبيرا وارتبطت باسمه لسنوات عديدة.

ورحل صلاح جاهين عن عالمنا في 21 أبريل/نيسان 1986 تاركا مئات الأغنيات والرسوم الكاريكاتيرية والأعمال التي أثرت في وجدان المصريين، كما ترك أيضا ابنته أمينة من زوجته الأولى السيدة سوسن زكي التي كانت زميلته في مؤسسة دار الهلال، وابنته سامية جاهين من زوجته الثانية اللبنانية منى قطان.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من فن
الأكثر قراءة