عذابات فان جوخ.. رسائل نادرة من المصحة النفسية

تكشف الرسائل عن موهبة أدبية رفيعة للفنان الأشهر في العالم وحساسية لغوية ونفسية مفرطة (معرض "مع المحبة فينسنت")
تكشف الرسائل عن موهبة أدبية رفيعة للفنان الأشهر في العالم وحساسية لغوية ونفسية مفرطة (معرض "مع المحبة فينسنت")

عاش حياته القصيرة كلها وهو يبحث عن أجوبة عن تعقيد العالم من حوله، حتى تحولت رسائله إلى نص طويل عن الحب المفقود في حياته، والوحدة، وعرض لوجهات نظره في الفن والتجريب فيه، وللعلاقات مع الناس من حوله.

هذا هو الوجه غير المعروف كثيرا للفنان الهولندي الشهير فينسنت فان جوخ الذي تعرض له حاليا 40 من رسائله النادرة، في معرض عالمي بعنوان "مع المحبة فينسنت"، ينظم في المتحف الذي يحمل اسم الفنان في مدينة أمستردام.

المعرض يقدم 40 رسالة نادرة لفان جوخ (معرض "مع المحبة فينسنت")

ويأتي عرض الرسائل الأخيرة كسابقة في المعارض الفنية، إذ يعد من النادر أن يضم معرض واحد هذا العدد الكبير من الرسائل، بسبب طبيعتها القابلة للتلف، والخوف من تأثيرات العرض العام للجمهور في الورق الرقيق الذي كتبت عليه الرسائل، والذي يقارب عمره 150 عاما.

تضم بعض الرسائل رسوما تخطيطية للفنان الهولندي الذي عاش بين عامي 1853 و1890، والتي كان يرسلها لأخيه "تيو" ليطلعه على المشروعات التي كان مشغولا بها.

ويتكرر في كثير من الرسائل موضوع استلاف المال، إذ كان الفنان الهولندي الذي سافر إلى فرنسا ليكون قريبا من الحركات الفنية هناك في عَوز دائم للمال، وكان يقترض الأموال من أخيه الطيب، ويكتب في رسائل أخرى شكره للأخ الذي لم يتخلّ عنه في حياته كلها.

الرسومات التخطيطية

واختار المشرفون على المعرض أن يعرضوا بعض اللوحات المكتملة للفنان إلى جانب الرسائل التي تضم رسوما تخطيطية لها، حيث يمكن مقارنة اللوحة النهائية مع التخطيط بالأبيض والأسود.

وتكشف المقارنة بين التخطيطات التي احتوتها الرسائل واللوحات الأصلية عن فروقات بسيطة بين التخطيطات الأصلية والمنتج النهائي.

كما يمكن تتبع أفكار الفنان عن عدد من لوحاته الأيقونية، إذ يذكر في رسالة من رسائله إلى أخيه تعود إلى عام 1885، أنه مشغول برسم فلاحين هولنديين يجلسون حول طاولة وضع فوقها صحن فيه بطاطا غير مطبوخة، ويرفق الفنان الهولندي تخطيطا للوحة لا يختلف كثيرا عن لوحة "آكلو البطاطا" المعروفة.

وتكشف الرسائل عن موهبة أدبية رفيعة للفنان الأشهر في العالم وحساسية لغوية ونفسية مفرطة، إضافة إلى صراع مع الوحدة النفسية التي قرّبته كثيرا من الشعور باللاجدوى، فهو يبدأ إحدى رسائله لأخيه بالمقطع الآتي "كان بودي أن أكتب لك عن الكثير من الأشياء، لكني مباشرة فقدت رغبتي تماما للقيام بذلك، فضلا عن أني أشعر أن كل هذا لا معنى له".

كتب فان جوخ في كثير من رسائله إلى زملاء فنانين مثل الفرنسي بول غوغان (معرض "مع المحبة فينسنت")

ويتساءل الفنان في رسالة أخرى أرسلها إلى الفنان الفرنسي إميل برنارد "متى أرسم تلك اللوحة لسماء مرصعة بالنجوم؟"، ثم يستذكر في الرسالة ذاتها مقولة للروائي الفرنسي جوريس كارل هويسمانز "أجمل اللوحات التي تحلم بها وأنت مستلق على السرير أو تدخن غليونا، لكنك لن تنجزها أبدا".

وكتب فان جوخ في كثير من رسائله إلى زملاء فنانين مثل الفرنسي بول غوغان، تفاصيل عن انشغالاته وتجريبه الذي لم يتوقف، والشكل الفني الفريد الذي طبع لوحاته.

كما يتناول الفنان الهولندي في رسائل تفاصيل البدء بأعمال فنية معينة تعد اليوم من أبرز أعمال الفن التشكيلي في العالم، إذ خطط في رسالة للوحة التي ستحمل اسم "غرفة النوم"، وكتب حينها "كان عندي فكرة جديدة.. أنظر إلى هذه الخربشة هنا. هذه المرة ستكون غرفة نومي..".

رسائل من المصحة النفسية

ولم يعرف فان جوخ النجاح التجاري أو الاعتراف النقدي بأعماله حياته كلها، حتى إن الفنان الذي تقدر أثمان لوحاته اليوم بعشرات الملايين لم يبع في حياته لوحة واحدة.

وعندما كتب أحد النقاد الهولنديين مقالا عن لوحة من لوحاته، كتب فان جوخ رسالة طويلة للناقد اختتمها بالمقطع العاطفي التالي "في مقالتك عثرت مجددا على لوحتي، لكن أفضل مما هي عليه في الواقع، ثرية وممتلئة بالمعنى، أنت ترسم بالكلمات".

وتتسم رسائل الفنان التي كتبها من المصحة النفسية التي عاش فيها أوقاتا طويلة من حياته، بالسوداوية وسأم الحياة. فكتب لأخيه في سنوات حياته الأخيرة "لهذا السبب لست مستعدا للخروج من هنا في أي وقت قريب، سأشعر مرة أخرى بالكآبة بخصوص كل شيء. وفي الأيام الأخيرة فقط، انتصر النفور من الحياة، من هذا الموقع الذي أنا فيه الآن على الرغبة والعمل.. لا يزال الطريق طويلا أمامي".

أرملة شقيق فينسنت فان جوخ هي التي حافظت على الرسائل (معرض "مع المحبة فينسنت")

معارض نادرة للرسائل

ومن المعروف أن أرملة شقيق فينسنت فان جوخ هي التي حافظت على الرسائل، وسلمتها إلى الدولة الهولندية عام 1914، وذلك بعد وفاة زوجها.

وكان متحف فان جوخ الذي يختص بحفظ تراث الفنان الهولندي قد أصدر سلسلة من 6 أجزاء من رسائل فان جوخ المعروفة تتضمن شروحات وافية، وترجمة باللغة الإنجليزية.

ويقدر ما اكتشف من رسائل فان جوخ بـ800 رسالة يُحتفظ بمعظمها في متحف الفنان في أمستردام، وهو المتحف الذي نجح في الحصول على العدد الأكبر من لوحات فان جوخ، وتخطيطات له بالأسود والأبيض، ومتعلقات أخرى للفنان.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

أبدعها الفنان الياباني “كاتسوشيكا هوكوساي” قبل نحو مئتي عام، يُعتقد أن هذه اللوحة هي أكثر عمل فني ذاع صيته وأُعيد إنتاجه في العالم، تعرف على لوحة “الموجة العظيمة قبالة كاناغاوا” بهذا التقرير.

المزيد من فن
الأكثر قراءة