“سيكون هناك دم” فيلم فضح الرأسمالية المتوحشة واعتبره النقاد الأفضل في القرن 21

فاز فيلم "سيكون هناك دم" بـ115 جائزة سينمائية (مواقع التواصل)
فاز فيلم "سيكون هناك دم" بـ115 جائزة سينمائية (مواقع التواصل)

"سيكون هناك دم" (There Will Be Blood) فيلم أميركي، كتبه وأخرجه بول توماس أندرسون عام 2007، عن رواية "نفط" (Oil) التي صدرت عام 1926 للكاتب الاشتراكي الأميركي أبتون سنكلير، وهاجم فيها أقطاب النفط الأميركيين، وحذر من هيمنتهم وإشعالهم الحروب وتدميرهم البيئة، وفقا لأفكاره الرافضة لتوحش الرأسمالية.

وقد حظي الفيلم بإشادة واسعة من النقاد، فجاء ترتيبه الثالث ضمن قائمة أعظم 100 فيلم في القرن الـ21، وفقا لاستطلاع أجرته شبكة "بي بي سي" (BBC) لآراء 177 ناقدا سينمائيا حول العالم. كما تصدّر قائمة أفضل 25 فيلما من كلاسيكيات المستقبل، لصحيفة "نيويورك تايمز" (NYTimes)، ورغم ذلك لم يفز سوى بجائزتي أوسكار، بالإضافة إلى 115 فوزا و136 ترشيحا آخر.

لكن هذا لا يقلل من إصرار النقاد على تفرده الأسطوري، باختلافه عن النمط السائد في معظم الأفلام الأميركية، من خلال اعتماده التجريد ومزجه بين الواقعية والرمزية، عبر صراع وجودي بين شريرين: الرأسمالي الجشع دانيال بلينفيو (دانيال داي لويس)، والواعظ الفاسد إيلي صنداي (بول دانو)، يثبت أنهما وجهان لعملة واحدة.

الوحش الذكوري

يقول ديفيد دينبي من مجلة نيويوركر (newyorker) إن "ذكورية بلينفيو الفظة لعبت دورا في انحداره نحو الجنون، متخذا من القتل والصراع طريقا للقضاء على أي منافس محتمل له في صناعة النفط".

ودانييل بلانفيو، وحش أطلقه المخرج بول توماس أندرسون، ليدعم به أفكاره الاشتراكية تجاه صعود الرأسمالية وتغوّلها. ويرفع ضربات قلب من يشاهده أول 15 دقيقة، وهو يعافر في قاع منجم مظلم خانق، لاستخراج الذهب، وعندما يسقط وتُكسر ساقه، يسحب نفسه إلى القمة بإصرار مذهل.

يبدو واثقا من نفسه تماما، ويجسد صورة للقتال والخوف الذكوريين، والاستعلاء بالمال للاستغناء عن الآخرين، فأعداؤه هم: الله والإنسان.

وحيد غامض بلا ماض، شديد الغضب، يتمتع بقسوة لا مثيل لها، كأنه يعاني خللا روحيا يولّد لديه طاقة عصبية ذاتية التدمير. فليست لديه أسرة ولا أصدقاء، فقط ابن بالتبني هو إتش دبليو (ديلون فريسير) استغله ليبدو أمام الناس رجل عائلة، ثم تبرّأ منه، ورجل ادعى أنه أخوه العائد هنري (كيفن جيه أوكونور) فقتله في النهاية.

لذا، توقع المعهد الأميركي للأفلام (AFI) "أن تصبح شخصية بلينفيو، الغنية جدا والشاهقة جدا، علامة في تاريخ السينما".

لكن بلينفيو لا يخلو من نقاط ضعف، أخطرها عدوه اللدود الواعظ إيلي صنداي الذي اضطر بلينفيو لشراء مزرعة عائلته لامتلاك بحار النفط الكامنة تحتها.

الثعبان الواعظ

وفي خضم المعركة بين جشع بلينفيو النهم، وتدين إيلي الزائف، استخدم أندرسون النجم بول دانو لأداء دور مزدوج لشخصية التوأمين صنداي. "بول" الثلجي الوجه الساذج، و"إيلي" القس الشرير الأملس، دون أن يظهرهما معا في مشهد واحد، محاولا إيهامنا بأنهما يمكن أن يكونا شخصا واحدا يمثل الخير والشر معا.

إيلي صنداي، الواعظ ذو الوجه الطفولي الماكر والشراسة غير المتوقعة، هو الوجه الآخر للانتهازية والرغبة في الصعود بأي ثمن، فبعد أن كان واعظا أقصى طموحه أن يبني كنيسة جديدة، إذا به ينزلق كثعبان نحو اللعبة.

بطولة الصورة

تساوى المصور السينمائي روبرت إلسويت مع دانيال لويس داي في الفوز بجائزة أوسكار عن الفيلم، بعد أن جعل للصورة فيه دور بطولة أثار نفس الإعجاب الذي حظي به دور لويس داي، وجعل النقاد يرون في الفيلم تحفة فنية لبراعة اللقطات في تصوير مخاطر التنقيب عن النفط بشكل صارخ، من خلال بئر تنفجر وأبراج تحترق وتهتز وتنهار وسط حقول شاسعة ومناظر طبيعية. وكادرات (أطُر) ذات قوة طاغية صنعت لوحات مرئية من الدخان الأسود وشلال النفط الذي يستهلكه اللهب.

عبقرية الوجه المقسوم

بعد أن كبر إتش دبليو وأراد أن يرحل ليؤسس شركته الخاصة. هاجمه بلينفيو مستهزئا بصممه، وأخبره أنه مجرد لقيط. في لحظة أداء عبقرية استحق عليها جائزة الأوسكار، ينقسم وجه لويس داي إلى نصفين، أحدهما يفيض حزنا وحسرة على الولد، والآخر يفيض غضبا وقسوة وهو يطرده.

نفس الوجه الذي هاجم بنصفه الغاضب أخاه المزيف هنري حتى قتله، ثم بكى إلى جوار جثته بنصفه البائس. كما نظر إلى إيلي في مشهد النهاية، بهدوء مصطنع من نصف وجهه، ونية الغدر تنضح من النصف الآخر.

الموسيقي المنذرة بالشر القادم

برعت موسيقى جوني غرينوود الثورية الجامحة في نقل إحساس الصحراء القاحلة والشمس المتوهجة والصراعات القاسية، فأضفت على أجواء صناعة النفط قوة غامضة، ورُشحت لجائزة بافتا، باعتبارها انفجارا صوتيا يعيد اختراع موسيقى الأفلام.

حيث تتعالى فيه أصوات الأبواق المعدنية المزعجة المستوحاة من اصطدام قطع الحديد، وضوضاء تروس آلات الحفر، ورنين العملات المعدنية، لتوحي بحياة صعبة وتنذر بميلاد شر جديد مجهول.

عندما تستقبلنا أوركسترا غرينوود بأعلى تردد، وهي تزف المشاهد الافتتاحية بصخب مشؤوم، ونحن نرى المناظر الطبيعية الجبلية الصارخة، حيث يعمل بلينفيو بعصبية بلا توقف تحت الأرض.

شفط النفط

بعد أن أصبح دانيال بلينفيو وحيدا في بيته الكئيب، نصل إلى المواجهة الفاصلة في الصراع، عندما يكتشف إيلي أن كل النفط أصبح ملكا لعدوه المهيمن بلينفيو، الذي يسحبه من تحت الجميع كمن يشفط "الميلك شيك" (الحليب المخفوق).

ونكتشف نحن أن إيلي وبلينفيو رأسماليان، الفارق أن إيلي يفعل ذلك تحت ستار الدين الذي يعتبره بلينفيو في حكم الماضي، معتبرا أنه لم يعد يحتاج إلى الدين في القرن العشرين، لأن احتياج الناس إلى النفط سيصبح أكثر، معلنا أن نبي تلك المرحلة هو من سيتحكم في الطاقة، وهو يصرخ في وجه إيلي قبل أن يجهز عليه صارخا "أنا الوحي الثالث".

المصدر : مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

يتخلص المخرج ويليام فريدكن في فيلمه من غالب كليشيهات أفلام الرعب، فكل اختياراته التقنية تسير باتجاه الحصول على ما هو حقيقي، مما منح الفيلم إحساسا غير عادي، بواقعية لم تعهدها سينما الرعب من قبل.

المزيد من سينما
الأكثر قراءة