السينما سلعة استهلاكية إلى أن تلتقي بالمخرج المناضل فرناندو بينو سولاناس

المخرج الأرجنتيني فرناندو سولاناس صانع الأفلام المعادية للقيم البرجوازية والاستعمارية (مواقع التواصل الاجتماعي)
المخرج الأرجنتيني فرناندو سولاناس صانع الأفلام المعادية للقيم البرجوازية والاستعمارية (مواقع التواصل الاجتماعي)

اعتاد الجميع التعامل مع السينما كسلعة استهلاكية تغيّب الوعي، خاصة في الدول المستعمرة أو الدكتاتورية، حيث تقابل أي محاولة لصنع أفلام ثورية تعادي القيم البرجوازية والاستهلاكية والاستعمارية على أنها معاداة للنظام الحاكم، وتهديد للمصالح الأيديولوجية الكبرى للسياسيين وأصحاب السلطة ورأس المال.

كان هناك دائما سؤال جدلي عن كيفية التغلب على هذا الوضع. كيف يمكن التعامل مع المشكلات الإنتاجية لهذه النوعية من الأفلام، بعد وصول التكلفة الإنتاجية إلى ملايين الدولارات، بالإضافة إلى تمركز قنوات التوزيع والعرض في أيدي أصحاب المصالح، وكيف يمكن ضمان استمرارية العمل، والوصول إلى الجمهور، والتغلب على القمع والرقابة التي تفرضها النظم الحاكمة؟

كل هذه الأسئلة التي يمكن أن تتضاعف في جميع الاتجاهات، قادت ولا تزال تقود العديد من الناس وصناع السينما إلى الشك والتسويغ، واختلاق أعذار من قبيل أن السينما الثورية ممكنة فقط في البلدان المحررة، وأن إنتاج فن بديل من دون دعم السلطة أمر مستحيل، مما أدى إلى تأخر صناعة السينما الثورية في العديد من البلدان.

وعلى الرغم من كل الصعوبات، بقي القلائل من صناع السينما الذين اختاروا الدرب الأصعب، ومنهم المخرج والكاتب فرناندو بينو سولاناس صانع أفلام أميركا اللاتينية الأشهر الذي توفي في السادس من نوفمبر/تشرين الثاني الحالي، متأثرا بأعراض فيروس كورونا في باريس حيث كان يعيش لمتابعة مهام منصبه سفيرا للأرجنتين لدى اليونسكو.

أصيب سولاناس وزوجته بعد زيارتهما بابا الفاتيكان، حيث عقدوا اجتماعا تحدثوا فيه عن مشكلات الفقر وتغير المناخ. بعد أسبوع من الزيارة أكد سولاناس وزوجته إصابتهما، وبعد 5 أيام من دخوله المستشفى، استخدم سولاناس شبكات التواصل الاجتماعي لتعريف الجمهور بحالته وحالة زوجته، حتى توفي في النهاية.

ظهر فرناندو سولاناس في أواسط الستينيات داعية راديكاليا للسينما الثورية في أميركا اللاتينية، وطالب في البيان الشهير الذي أصدره مع رفيقه البوليفي أوكتافيو غتينو عام 1964، بضرورة صنع سينما جديدة مختلفة في أميركا اللاتينية، تكون بالضرورة مضادة لما أطلقا عليه "السينما الكولونيالية"، أي سينما تستمد جمالياتها من الواقع السياسي الثوري في القارة الجنوبية.

قدم سولاناس أفلاما طليعية مناهضة للاستعمار معترفا بها في الأرجنتين وعلى المستوى الدولي.

ولد سولاناس عام 1936 في ضاحية أوليفوس بالأرجنتين، لأسرة من الطبقة المتوسطة العليا في بوينس آيرس.

وضمّ الوسط الثقافي الذي يعيش فيه العديد من المثقفين المنشقين من الطبقة الوسطى، المنتظمين في الثقافة المناهضة للمؤسسة. وأثناء عمله في مجال الإعلان لاحقا، كتب نصوصا للكتب الهزلية والروايات المصورة قبل أن يصنع فيلمين قصيرين في أوائل الستينيات، ثم بدأ مسيرته التي اشتهر بها.

ظهر فرناندو سولاناس في أواسط الستينيات داعية راديكاليا للسينما الثورية في أميركا اللاتينية (مواقع التواصل)

الشعبوية القومية الأرجنتينية

تباينت أنماط صناعة الأفلام لدى سولاناس، وظلت سياسته متسقة ومحورية، لذا فإن أي نقاش بشأن الصناعة يجب أن يبدأ بأفكاره.

وتنتمي أعمال سولاناس إلى المراجعة القومية الشعبوية للتاريخ الأرجنتيني، التي بدأت في النصف الأول من القرن الـ20.

يقصد بالشعبوية هنا الأعمال المقدمة عن وإلى جماهير العمال والفلاحين الذين يتم استغلالهم باستمرار، ليكشف من خلال أفلامه عن الأرجنتين كدولة خضعت مدة طويلة للاستعمار والإمبريالية، ويعيد تفسير تاريخ أميركا اللاتينية والأرجنتين، بعيدا عن النظرة الاستعلائية للاستعمار الأوروبي، وبعيدا عن جماليات هوليود السينمائية.

التاريخ النضالي لسولاناس

في شهر مارس/آذار من عام 1991 أصيب سولاناس في ساقه خارج الاستوديو الخاص به. وأثناء رقوده في المستشفى، اتهم مافيا إجرامية مرتبطة بالحكومة بالتسبب في إصابته. وقبل أن يمر أسبوع على إصابته ظهر أمام المحكمة للدفاع عن نفسه في دعوى تشهير رفعها ضده الرئيس كارلوس منعم، بعد نشره مقالا يتهم فيه منعم بالخيانة والاحتيال، وإدارة البلاد من قبل مافيا فاسدة.

قالت المتحدثة باسم سولاناس في ذلك الوقت إلبا فيريرا إن رجلين كانا ينتظرانه في سيارة خارج الاستوديو في ضواحي بوينس آيرس، فتحا النار بأسلحة رشاشة لتصيب ساق سولاناس ثماني رصاصات. وأكد سولاناس في حديثه للصحفيين أن المسلحين صرخوا عليه بأن يلتزم الصمت أثناء إطلاق النار، وقال دون الخوض في تفاصيل إن الهجوم عليه أحد أعمال المافيا التي تسيطر على البلاد.

في أفلامه "الرحلة" (El viaje) المنتج عام 1992، و"كرامة لا أحد" 2005، و"الأرجنتين الكامنة"  Argentina latente) 2007)، و"الموسم القادم" La próxima estación) 2008)، و"الأرض المتمردة" 2009 (La tierra sublevada)، عاد سولاناس إلى الأفلام الوثائقية ليروي حكايات أهل الأرجنتين الذين يعيشون في فقر مدقع. وعكست الأفلام أجواء البلاد خلال الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي ضربت البلاد على مدار عقود.

حصل سولاناس عام 2003 على جائزة الدب الذهبي لإنجازاته الفنية على مدار عمره في مهرجان برلين السينمائي. وواصل بعدها العمل على وثائقي بعنوان "كرامة النبلاء" 2005 عن الناشطين الاجتماعيين الذين يسعون إلى الحفاظ على المقاومة، وحصل الفيلم على 4 جوائز في مهرجان البندقية السينمائي، أهمها جائزة حقوق الإنسان.

المصدر : الجزيرة + مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

المشاهد الصامتة هي نواة السينما الناطقة اليوم، لكن المخرج الفلسطيني إيليا سليمان أبى إلا أن يعيدها إلى سيرتها الأولى ودهشة البداية، وذلك من خلال عمله “إن شئت كما في السماء”.

22/11/2019

منذ بداية تلمس طريقهما نحو دراما الجريمة المنظمة والعصابات في أوائل التسعينيات انتهج المخرجان والكاتبان الأميركيان الشقيقان، جويل وإيثان كوين أو “الأخوين كوين”، أسلوب الكوميديا السوداء والصراع العدمي.

12/11/2020

ربما كانت الأحداث القاسية والمخاوف الغريبة التي تحدث عنها هيتشكوك، في حواراته، سببا في الأفكار الغريبة والمثيرة التي تناولها في أفلامه، فلا يمكن أبدا تجاهل أحداث الطفولة وأفكارها في تشكيل حياة الفنان.

3/9/2020
المزيد من فن
الأكثر قراءة