بمطرقة وطحين وماء.. شاهد- فلسطيني يبدع لوحات فسيفسائية ويشارك في ترميم الأقصى وكنيسة القيامة

فادي العصا-بيت لحم

 
 

بين إصبعين فقط من يد خلدون البلبول يمكن حمل قطعة صغيرة من الحجارة، يرصفها بجانب أخرى، بعد أن يضع مادته اللاصقة من الماء والطحين، ثم تتوالى القطع لتشكل لوحته الفسيفسائية.

باستخدام مطرقة صغيرة وقطع من الحجارة بألوان مختلفة -يدقها البلبول على حافة قطعة حديدية ينتج من خلالها قطع الفسيفساء التي يريد- يستخدم الجانب الأكثر خشونة ولمعانا منها، في عمل دقيق التفاصيل.

يُعرف خلدون اليوم خبيرا في إنتاج وترميم القطع الفنية الفسيفسائية، طوّر من عمله محافظا على الطريقة القديمة والتقليدية وبأدوات ومواد بسيطة تحافظ على هذا الفن الدقيق، حيث يعتقد البلبول في حديثه للجزيرة نت أن هذه الحرفة اقتربت من الاندثار.

استطاع خلدون إنشاء مركز بيت لحم للفسيفساء في قلب البلدة القديمة من المدينة جنوب الضفة الغربية المحتلة، في منزل تم بناؤه منذ مئات السنين، ليحاكي المكان ما يقوم به من ترميم وحفاظ على فن الفسيفساء.

لا يرى البلبول أن التكنولوجيا تفيد هذا الفن، وإنما يجب الحفاظ على الطريقة التقليدية التي قد تستغرق وقتا يمتد إلى أشهر في إنتاجها، ولكنها ستصمد أكثر من غيرها، إضافة إلى إظهار الحفاظ على هذا النوع من الفن الفلسطيني بعد عشرات أو مئات السنين، وإيصال الرسالة للأجيال أن الفلسطينيين ورغم وجود التكنولوجيا فإنهم استطاعوا الحفاظ عليه ليظهر التسلسل التاريخي لهذا الفن.

قطع الفسيفساء التي يتم إنتاجها بشكل يدوي وتستخدم الجهة الأكثر لمعانا منها (الجزيرة)

طريقة عكسية
يقول خلدون إن 90% من الذين يعملون في مجال الفسيفساء يستخدمون الطريقة المباشرة، باستخدام معدات حديثة ترصف القطع الفسيفسائية حتى تتساوى مع بعضها، وتنتج اللوحة مباشرة، ولكن الطريقة القديمة عكسية، بمعنى وضع الوجه للأسفل على رسم معين.

ويستخدم في البداية اللاصق بالطحين والماء مرحلة مؤقتة لتثبيت الشكل، ومن ثم الإلصاق يتم بالرمل والشيد (مادة يطلى بها) الطبيعي وهي أدوات لا يمكن أن تضر بالقطع الفسيفسائية حتى بعد مئات السنين، ومن ثم قلبها ليظهر وجهها النهائي، قبل تنظيفه وتجليخه (حكه للحصول على الجودة والدقة).

يعتقد البلبول أن استخدام التكنولوجيا قد يضع مواد تؤثر على القطع الحجرية الفسيفسائية ويحدث ترسبات عليها قد تدمر العمل الفني وتغير شكله فيما بعد، مضيفا أنه يجب مراعاة استخدامات اللوحة الفسيفسائية إن كانت في الداخل أو الخارج أو على الجدران أو على الأرض، لأن لكل منها مميزات خاصة.

لوحة الفسيفساء تعبر عن الهوية الفلسطينية والتراث الأصيل (الجزيرة)

ترميم الأقصى والقيامة
شارك خلدون في ترميم الكثير من المواقع الأثرية الفلسطينية، أهمها المسجد الأقصى المبارك وكنيسة القيامة، إضافة إلى مواقع أثرية في الأردن، مثل أم الرصاص ومقام النبي موسى، وسوريا في منطقة الشهباء، عدا عن المشاركة في مؤتمرات دولية حول هذا الفن.

لم يقتصر عمل خلدون على صناعة هذا الفن، وحرص على تدريب آخرين وتم التركيز على أشخاص من ذوي الإعاقة والنساء، من خلال العمل مع مؤسسات مجتمعية ووزارات مختلفة، ولم يقتصر العمل على فناني الفسيفساء فقط، وإنما أصبح المركز اليوم حاضنة للأعمال الفنية المختلفة من إعادة تدوير القطع الحجرية والخشبية والحديدية، وحتى الرسومات الزيتية.

ويسعى خلدون للحفاظ على فنه ومركزه بالطريقة التقليدية التي يجب أن تُنقل للأجيال القادمة، باعتباره فنا فلسطينيا تم إنجازه بأيدٍ فلسطينية خالصة.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

أعد محمد حقون بيته ليكون تحفة نادرة، حيث كسا جدرانه وسقفه بصور شفشاون طيلة وجوده بها، بالأبيض والأسود، وقسمه لمتاحف مصغرة حسب المواضيع، وفتحه للزوار محبي الجمال.

المزيد من فن
الأكثر قراءة