كيف أثر ظهور الأوبئة والأمراض في الفنون البصرية؟

لوحة "انتصار الموت" للفنان الهولندي بيتر بوغل الأكبر (مواقع التواصل)
لوحة "انتصار الموت" للفنان الهولندي بيتر بوغل الأكبر (مواقع التواصل)

سارة عابدين

أكدت السلطات الصينية أن الفيروس الجديد من سلالة كورونا يمكن أن ينتقل بين البشر، حيث أعلنت إصابة 15 من العاملين في قطاع الصحة، ووفاة سادس حالة مصابة، وقالت لجنة الصحة الوطنية إن عدد حالات الإصابة المؤكدة بالصين ارتفع حتى الاثنين الماضي إلى 291، منهم نحو 270 في إقليم هوبي وعاصمته ووهان، البالغ عدد سكانها 11 مليونا.

في خضم ذلك الانتشار الكبير للعديد من الأمراض والأوبئة، نذكر أن الفن يستلهم دائما مما يحدث في سياقيه الاجتماعي والثقافي، إذ لا يمكن فصل الفنون عن الحياة وما يحدث فيها من أحداث كبرى، سواء كانت حروبا أو كوارث طبيعية أو انتشارا لمرض أو وباء ما.

الطاعون والفن القوطي
ومن ضمن الأوبئة التي انتشرت بشدة وأثرت تأثيرا كبيرا على الفنون في وقتها، وباء الطاعون الذي انتشر في أوروبا بين أواخر القرن 14 والقرن 17، وأثر انتشاره بشكل كبير على الثقافة الأوروبية، وأدى إلى موت ما يقرب من ثلث سكان أوروبا.

استحوذت في ذلك الوقت فكرة نهاية العالم على الأعمال الفنية، وظهرت رموز الموت واليأس والحزن في جميع جوانب الثقافة و"الفن القوطي" (نوع من فنون العصور الوسطى تطور في فرنسا خلال القرن 12 الميلادي)، حيث جلب أجواء مظلمة للفنون البصرية والموسيقى والأدب، وأثارت الصدمة خيال الرسامين بطرق قاتمة لعقود من الزمن.

بالإضافة إلى ذلك، خلق الإحساس بقرب الموت هاجس السعي إلى الخلاص، لدى كثير من الفنانين، سواء الخلاص الشخصي أو الخلاص عن طريق التنوير الروحي للجماهير، ومن أمثلة ذلك جدارية "موكب القديس غريغوري" التي تعرض حاليا في كنيسة القديس بطرس في روما.

وتحكي اللوحة عن الحدث الأهم في ذلك الوقت، حين دعا البابا غريغوري الأول، جميع السكان إلى الانتقال إلى منطقة سانتا ماريا من أجل صلاة رسمية تقربا لله، من أجل العفو وإنهاء الأوبئة التي عصفت بالمدينة.

يظهر القديس غريغوري بأعلى اللوحة يأمر بالمسيرة، عند سفح الدرج إلى اليسار يظهر موكب متعدد الطوائف بقيادة البابا، وفي يمين اللوحة يظهر القديس ميخائيل وهو يطرد شيطانا يمثل الطاعون، الذي تراكم ضحاياه في أسفل يمين اللوحة.

الإيدز في الفنون البصرية
بينما كان وباء الطاعون الهاجس الأكبر في العصور الوسطى، بقي الإيدز الهاجس المخيف في أمراض العصر الحديث، الذي انتشر في الولايات المتحدة خلال ثمانينيات القرن الماضي، فألهم انتشاره العديد من الفنانين لإنتاج لوحات وملصقات وأعمال فنية في تلك الحقبة، غطت شعور الحزن والمعاناة على مستوى البلاد.

العمل الأول هو ملصق صممه الفنان الأميركي دونالد موفيت في ذكرى وفاة صديقه دييغو لوبيز، ويحمل الملصق صورة الرئيس الأميركي في ذلك الوقت رونالد ريغان، مع عبارة "هو يقتلني" (he kills me)، في إشارة إلى اتهام السياسيين بشكل واضح، لأنه رغم اشتداد أزمة الإيدز في ذلك الوقت لم تستجب الإدارة الأميركية بشكل فعال للمرض.

كيث هارينغ والإيدز
يرتبط اسم الفنان كيث هارينغ بوباء الإيدز، ليس فقط لأنه كان من أشهر المصابين بالمرض، ولكن لأنه جعل الإيدز موضوعا شائعا في أغلب لوحاته. وبالنظر إلى أن هذا المرض أودى بحياته في نهاية الأمر؛ نجد الأمر مرعبا أن يحاول تفكيك مخاوفه وهواجسه من المرض على قماش اللوحة.

كتب هارينغ في مذكراته عام 1987، أي قبل تشخيصه بالمرض؛ "أنا لست خائفا بالفعل من مرض الإيدز، أنا خائف من مشاهدة المزيد من الناس يموتون أمامي. إذا حان الوقت أعتقد أن الانتحار أكثر كرامة وأسهل بكثير على الأصدقاء والأحباء، لا أحد يستحق مشاهدة هذا النوع من الموت البطيء".

في السنوات التي سبقت وفاته بسبب مضاعفات مرض الإيدز عام 1990، أنتج هارينغ عددا غير عادي من اللوحات المستوحاة من هذا الوباء، حيث رسم لوحاته بأسلوب بسيط، واستعمل شخصيته الشهيرة التي ابتكرها ورسمها في بداية حياته المهنية في مترو أنفاق نيويورك.

قصد هارينغ البساطة في لوحاته حتى تكون في متناول أكبر قدر من الجمهور، وأثبتت طريقته فعاليتها في الاعتراف بأزمة الإيدز والاستجابة لها.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من فن
الأكثر قراءة