"نساء صغيرات".. أيقونة ألهمت 18 عملا فنيا خلال قرن

أبرز أحدث عمل لرواية "نساء صغيرات" الموضوعات الجوهرية المتعلقة بالنسوية (مواقع التواصل)
أبرز أحدث عمل لرواية "نساء صغيرات" الموضوعات الجوهرية المتعلقة بالنسوية (مواقع التواصل)

محمد صلاح

عندما نشرت الكاتبة الأميركية لويزا ماي ألكوت (1832-1888) روايتها "نساء صغيرات" عام 1868، لتحكي سيرة شبه ذاتية تجمعها بشقيقاتها الثلاث في أجواء الفقر والحرب الأهلية، لم يخطر ببالها أنها قدّمت أيقونة أدبية خالدة ألهمت الفنون بكل أشكالها الموسيقية والمسرحية والتلفزيونية والسينمائية لما يربو على مئة عام.

فمنذ عرضها على مسرح برودواي عام 1912، تم اقتباسها فنيا أكثر من 18 مرة، بدءا بفيلمين صامتين عامي 1917 و1918، ثم العديد من المسلسلات الإذاعية والتلفزيونية بين خمسينيات وسبعينيات القرن الماضي، وأفلام "أنيمي" يابانية في الثمانينيات، وأوبرا هيوستن غراند عام 1998.

بالإضافة إلى فيلم كاثرين هيبورن عام 1933، وفيلم إليزابيث تايلور عام 1949، الحائزين على جائزة أوسكار، وفيلم جيليان آرمسترونغ عام 1994 الذي رُشح لثلاث جوائز أوسكار، وصولا إلى أحدث المعالجات السينمائية للقصة في الفيلم الذي اكتسح شباك التذاكر في أعياد الميلاد عام 2019، ورُشح لعدة جوائز من بطولة ميريل ستريب وإخراج غريتا غيروغ.

كاثرين هيبورن.. "جو" المزاجية
في هذه النسخة الأميركية من معالجات رواية "نساء صغيرات" التي فازت بجائزة أوسكار أفضل سيناريو مقتبس، قدمت النجمة كاثرين هيبورن -بصبيانية مرحة ومزاجية لاذعة- أعظم أداء لشخصية "جو" غير الخانعة، متفوقة بذلك على أداءات نسخ أخرى قدمتها في صورة عقيمة وحساسة.

نرى "جو" وهي تكافح في غياب والدها باستقلالية وشجاعة، وتطمح لأن تصبح كاتبة محترفة، دون رومانسية أو زواج، فرغم علاقتها بجارها الثري "لوري" فإنها لم تتزوجه، واكتفت بالمحافظة على صداقة دائمة معه، في حين تزوجت أخواتها في نهاية المطاف.

أيضا نجح جورج كوكور -الذي أخرج هذا الفيلم عام 1933- في تقديم عائلة كاملة من الشخصيات النسائية الإيجابية التي لا تشغل قصص علاقاتهن بالرجال الحيز الأكبر من حياتهن، بقدر ما تشغلها خياراتهن وخبراتهن الأخلاقية، كمجتمع نسائي تضامني مبني على الصداقة والأخوة والتضحية والطاعة والكد في العمل وضبط النفس ونكران الذات، من خلال التركيز على تصوير البراغماتية القاسية للحرب الأهلية، وتكريس القيم المكتسبة من انتصارات الفتيات ومواجهتهن للمحن.

إليزابيث تايلور.. آيمي "المفترية"
في هذا الفيلم الأميركي الذي أنتج عام 1949، وفاز بجائزة أوسكار أفضل ديكور وألوان، جمع المخرج "ميرفين ليروي" بين أناقة المتعة البصرية والكوميديا الخفيفة والجاذبية العاطفية ذات اللمسة الفيكتورية.

فمن بين الأخوات مارش، لعبت جانيت لي دور الابنة الكبرى "ميغ" السيئة الحظ، وجين أليسون دور الابنة التالية "جو" الكاتبة الطموحة المفعمة بالحيوية، ومارغريت أوبراين دور الصغرى "بيث" عازفة البيانو الخجولة.

قدم الفلم النجمة إليزابيث تايلور في أداء جميل ومبدع لدور "آيمي" المفترية العابثة المدللة المتذمرة من الفقر الحالمة بالثروة المادية والمكانة الاجتماعية، والتي ظفرت بالجار الشاب الثري "لوري" (بيتر لوفورد) بعد أن ترددت شقيقتها "جو" في الزواج منه.

أيضا جاءت المقارنة بين أداء جين أليسون لدور "جو"، وأداء كاثرين هيبورن له قبلها بـ15 عاما، لصالح الأخيرة بإجماع النقاد.

بداية الاقتباسات النسوية
المخرجة الأسترالية جيليان آرمسترونغ هي أول من قدمت معالجة نسوية لرواية "نساء صغيرات" عام 1994، في فيلم أميركي رشح لثلاث جوائز أوسكار، وشارك في بطولته وينونا رايدر، وسوزان ساراندون، وكلير دانيس، وكريستين دانست، والإنجليزي كريستيان بيل.

فعلى الرغم من أن أفلام آرمسترونغ لا تحمل أفكار الحركات النسوية بشكل صريح، فإنها دائما تدافع عن حقوق النساء، وتجعل من بطلاتها نساء معتمدات على أنفسهن يكدحن من أجل العمل.

في هذا الفيلم قدمت آرمسترونغ الشقيقات: "ميغ" الجميلة، "جو" العاصفة، "بيث" المعطاءة، "آيمي" الرومانسية، وهن يكافحن بشكل طبيعي مفعم بالدفء، مستعينات بتأدية المسرحيات الرومانسية التي تكتبها "جو" كوسيلة للهروب من مشاكلهن، تحت إشراف الأم القوية الإرادة.

وبفضل هذه المجموعة من الممثلات الموهوبات، قدمت آرمسترونغ رؤية جديدة حادة وذكية وأنيقة بشكل مدهش، لتثبت أن القصة الخالدة يمكن أن تنجح مهما تعددت مرات معالجتها.

غريتا غيروغ.. الإبداع الأخير
المخرجة الأميركية الشابة المهتمة بقضايا المرأة غريتا غيروغ، في ثاني تجربة لها بعد فيلم "ليدي بيرد" الذي رشحها لثلاث جوائز كبرى، استطاعت ببراعة عام 2019 أن تقدم فيلما يرسم صورة مختلفة للقصة، ركزت على مرحلة الشباب، من خلال الشقيقات الثلاث اللائي غادرن منزل الأسرة، وأسلمت دفة قيادة الأحداث إلى العمّة "جوزفين مارش" بإعطاء دورها مساحة أكبر.

كما أضفت غيروغ على الفيلم لمسة معاصرة بالابتعاد عن الجانب الأخلاقي وإبراز الموضوعات الجوهرية المتعلقة بالنسوية والإبداع والاستقلالية والفردية، وهو ما أظهر بطلات القصة نساء لكل واحدة منهن شخصية خاصة بها واضحة المعالم.

"جو" المشرقة تماما لكنها متقلبة ومشاغبة وردود أفعالها حادة وسريعة كالبرق، و"آيمي" الرسامة المتأنقة التي أعادت المخرجة رسم شخصيتها لتجعلها مختلفة عنها في المعالجات السينمائية السابقة، فهي أكثر تعاطفا وتحولت من طفلة غير ناضجة إلى امرأة مفكرة ذات فكر متطور، و"ميغ" الزوجة والأم، و"بيث" عازفة البيانو الهادئة المريضة، إلى جانب العمة الغنية المتغطرسة "مارش" التي أدت دورها بجمالية النجمة ميريل ستريب.

المصدر : الجزيرة