لافينيا فونتانا.. المرأة الأعجوبة التي تجاهلها تاريخ الفن

أعمال فونتانا تتسم باهتمام كبير بالتفاصيل والألوان النابضة بالحياة وتفاصيل الملابس والمجوهرات التي يرتديها شخوص اللوحة (مواقع التواصل)
أعمال فونتانا تتسم باهتمام كبير بالتفاصيل والألوان النابضة بالحياة وتفاصيل الملابس والمجوهرات التي يرتديها شخوص اللوحة (مواقع التواصل)

سارة عابدين 

اتسم عصر النهضة بسيطرة تامة من الفنانين الرجال على مجال الفنون التشكيلية وغيرها من الفنون الإبداعية، وكان الاعتقاد السائد أن وجود امرأة فنانة هو أعجوبة، إذ كيف يمكن أن تكون المرأة خلاقة ومثمرة وذكية وموهوبة مثل الرجل، وكان يتوقع من النساء أن يكنّ بنات وأمهات وزوجات يؤدين واجباتهن العائلية ويبقين في المنزل، لذلك كان وجود الفنانات في ذلك الوقت يشبه الثورة أو التمرد.

في ذلك الوقت الذي سيطر فيه الذكور، ظهرت واحدة من أهم رسامي البورتريه في بولونيا في أواخر القرن السادس عشر، وهي لافينيا فونتانا (1552-1614)، فنانة من أوائل الفنانات اللائي نفذن لوحات شخصية كبيرة بتكليف عام، وهي ابنة الرسام الإيطالي بروسبيرو فونتانا.

أنتجت فونتانا العديد من اللوحات ذات الطابع الديني لصالح كنائس بولونيا، مثل لوحة العائلة المقدسة والسيد المسيح، ولوحة استشهاد القديس ستيفن، لكن تبقى لوحة زيارة بلقيس ملكة سبأ إلى النبي سليمان هي أكثر أعمالها شهرة وأهمية، ويظهر فيها أهم سمات أعمال فونتانا من اهتمام كبير بالتفاصيل والألوان النابضة بالحياة، وتفاصيل الملابس والمجوهرات التي يرتديها شخوص اللوحة.

وبحلول أواخر سبعينيات القرن السادس عشر، كانت فونتانا من أشهر فنانات بولونيا، وبالإضافة إلى حياتها المهنية الناجحة بصفتها فنانة، كانت أما لأحد عشر طفلا، وكان زوجها يسيّر لها أعمالها، الأمر الذي لم يكن متداولا في الهيكل الأسري في ذلك الوقت.

فونتانا كانت فنانة من أوائل الفنانات اللائي نفذن لوحات شخصية كبيرة بتكليف عام (مواقع التواصل الاجتماعي)

أسلوب لافينيا فونتانا الفني
تتبع فونتانا أسلوب المانيريست وهو أسلوب فني ساد في إيطاليا، من نهاية عصر النهضة عام 1520، حتى بداية المانيريست الباروكي عام 1950. نشأ في بداية الأمر في فلورنسا وروما، وانتشر في شمال إيطاليا، ثم وصل بعد ذلك إلى معظم أنحاء أوروبا الوسطى والشمالية.

استخدم ذلك المصطلح لأول مرة من قِبَل عالم الآثار الإيطالي لويجي لانزي، لتحديد فناني القرن السادس عشر الذين كانوا أتباع أساتذة عصر النهضة الرئيسين. وظهر ذلك الأسلوب رد فعل للكلاسيكية المثالية لفنون عصر النهضة في أعمال دافنشي ورفائيل ومايكلانجلو، لذلك حاول فنانو المانيريست البعد عن قواعد الجمال المثالي، وانصب اهتمامهم الأكبرعلى الأسلوب والتقنية والتكوين، أكثر من معنى الموضوع المصور ومضمونه، ودون جهد لاختيار أوضاع فنية معقدة ومختلقة.

وغالبا ما يركز فنانو المانيريست على الأطراف الرشيقة الممدودة بشكل كبير، مع رؤوس صغيرة إلى حد ما، مع إخفاء مساحات الرؤية الخطية والعميقة بحيث تظهر الأشكال تركيبا زخرفيا على خلفية مسطحة ذات أبعاد غير محدودة.

الصور الشخصية للافينيا فونتانا
تصدت فونتانا من خلال فنها للتوترات التي نشأت نتيجة تصادم مهنتها ونوع جنسها، واختارت أن تعبر عن نفسها في عالم يسيطر عليه الرجال، لتجاوز الصورة الشهوانية المكرسة للمرأة في لوحات عصر النهضة، التي تظهر من خلال تشابه النساء في اللوحات، لأن السمات التي يفضلها الرجل كانت تظهر في الموديل، من جبهة مستديرة وعالية، وحواجب مزججة، وشعر أشقر وجلد فاتح وخدود وردية، وشفاه مكتنزة، مع أسنان بيضاء وعيون داكنة وأطراف رشيقة.

لوحة بورتريه شخصي مع بيانو 1577
تقع اللوحة في مساحة 27×24 سم، وتوجد حاليا بأكاديمية دي سان لوركا بروما. اختارت فونتانا أن تحمل اللوحة إحساسا بالإنجاز الإبداعي والفكري الجاد الذي لا يوجد عادة في صور نساء القرن السادس عشر، حيث اختارت كل عناصر اللوحة بعناية، بداية من ملابسها الراقية والخادمة التي تحمل النوتة الموسيقية، والحامل الفارغ بجوار النافذة. كلها رموز للثروة والعلم والإنجاز والمهارة الفنية، خاصة مع جلسة فونتانا بمواجهة المشاهد التي تخلق علاقة ندية متبادلة بينها وبينه. قدمت فونتانا نفسها في اللوحة إنسانة كاملة وفنانة بارزة دون عري، لا امرأة مرغوبة من الرجال.

فونتانا قدمت نفسها إنسانة وفنانة بارزة دون عري لا امرأة مرغوبة من الرجال (مواقع التواصل)

صورة ذاتية في الاستوديو (1579)
في عام 1597 طلب الباحث وعالم اللاهوت ألفونسو تشياكون من فونتانا صورة شخصية لها، لتضمينها ضمن مجموعته المكونة من خمسمئة صورة لرجال ونساء مشهورين في تلك الفترة. اختارت فونتانا أن تقدم الصورة قدراتها المهنية والفكرية، بالإضافة للثراء الواضح في ملابسها. تمسك فونتانا ورقة وقلما، كما لو كانت على وشك البدء بالكتابة أو الرسم، بشكل يعكس قيمتها فنانة ذات شأن كبير، وربما اختارت الشكل الدائري للوحة لما للشكل الدائري من خصوصية وقدسية نتيجة استعماله في اللوحات الدينية، لإضافة قيمة معنوية زائدة على اللوحة.

تلك اللوحات تعطينا في الوقت الحالي فكرة عن محاولات فونتانا للتكيّف مع المعايير الفنية، لكن في الوقت نفسه دون خضوع تام لتلك المعايير. ومن خلال فنها حاولت صنع مساحتها الخاصة وطريقتها في فرض احترامها على المجتمع، وأظهرت شعورا عميقا حول تعرفها على شخصها ووعيها بذاتها، لترسيخ اسمها في مجال يهيمن عليه الذكور، بعيدا عن أي محاولة لتسليع نفسها وبعيدا عن المعايير والتوقعات الذكورية.

المصدر : الجزيرة