"صندوق الحكايا".. الفن كعلاج لتشوهات الحرب في سوريا

يهدف "صندوق الحكايا" لخلق بيئة سليمة من تشوهات الحرب عبر الاهتمام بالعمل في المجال المسرحي والتشكيلي والثقافي (مواقع التواصل)
يهدف "صندوق الحكايا" لخلق بيئة سليمة من تشوهات الحرب عبر الاهتمام بالعمل في المجال المسرحي والتشكيلي والثقافي (مواقع التواصل)

يارا عيسى

منذ العام 2011 والحرب في سوريا تقتات على الأحلام، أحلام قُتلت، وأحلام هجرت، وأخرى تحاول المضي قدما دون اكتراث بما تبثه الحرب في وجهها من سموم الفقر والتخلف والتشريد. 

على مدى الثماني سنوات الماضية تحولت سوريا إلى صندوق كبير للحكايا، التي تنوع أبطالها بين صغير وكبير، وتمازجت أحلامها بين الخيبة والانتصار وقلة من الأحلام التي استطاعت الولوج إلى الواقع، لتترك مكاناً لبصمة سورية عنيدة التشبث بالأرض والمستقبل.

كان منها "صندوق الحكايا" الذي بدأ حلما، وانتهى بتجسيد نفسه كخيمة ضمت تحت قبتها مساحة فنية لفنانين صغارا وشبابا عبروا من خلالها عن الفكر والتراث والفن. 

صندوق الحكايا.. حكاية التأسيس
تأسس صندوق الحكايا عام 2014 من قبل مجموعة من الفنانين الشباب، الذين يؤمنون بأهمية العمل المدني التضامني، وذلك بهدف خلق بيئة ثقافية وفنية سليمة من تشوهات الحرب في سوريا عبر الاهتمام بالعمل في المجال المسرحي والتشكيلي والثقافي.

انطلق العمل من نقاط عدة، كان أهمها العمل مع أطفال الحرب السورية، وذلك من خلال القيام بنشاطات تعنى بهم عبر التشجيع على القراءة الطوعية والكتابة والسرد القصصي وتركيب الحكاية وصناعة الدمى ومجالات الرسم وتقنياته، وغيرها الكثير من الأنشطة بالتعاون مع مؤسسات ومنظمات عدة تعنى بالعمل المدني والثقافي. 

الحكاية الشعبية من النص إلى العرض
أتت فكرة الحكاية الشعبية بتجميع حكايات من مناطق عدة في سوريا، وتم اختيار مجموعة من القصص ليتم العمل عليها، إما بشكل جماعي وإما بشكل منفرد، وذلك بالتعاون مع فرقة مراية المسرحية. 

بدأت الورشة يوم 23 يونيو/حزيران 2018 مع خمسة طلاب من المعهد العالي للفنون المسرحية، وبدأ العمل على شكل تجميع للحكايات التي حملها المشاركون معهم (السويداء، حلب، ريف القامشلي، الزبداني، ريف اللاذقية) والتي كان مجموعها ما يقارب 16 حكاية، وبعد سرد الحكايات كلٍّ بلهجة منطقتها، قامت مجموعة العمل بتحليل الحكايات، وتفريغ الحكاية ضمن جداول تتعلق بآليات عرض نفس الحكاية (عرض أطفال، عرض للكبار، سرد راو)، ثم جرى الاتفاق على اختيار الحكايا المطروحة للعرض.

تم العرض يوم 6 يوليو/تموز 2018 في غاليري قزح للفنون في دمشق، وقد لاقى إقبالاً واسعا من الناس والنقاد.

خيال الأطفال في حكايا جديدة
انطلقت هذه الفعالية بالتعاون مع كتاب وفنانين شباب عدة، وتم ذلك بسرد حكايات قصصية، وعرض رسومها، ومن ثم الطلب من الأطفال المشاركين اختيار صورة أو مشهد من الحكاية كما تخيلونها، عبر رسم تخيلاتهم بقلم الرصاص، وإخراجه بقلم الحبر عبر نقوش وخامات مختلفة من إبداعهم، أو عبر القيام بعرض عدة شخصيات كرتونية محببة لدى الأطفال، وتثبيت الشخصية مع إحدى صفاتها لتركيب حكاية جماعية من شخصيات كرتونية عدة، ومن ثم سرد الحكايات أمام الجميع.

أما فيما يخص الأطفال الأصغر عمرا، فقد تم توزيع ألعاب بشكل عشوائي على مجموعات الأطفال والعمل معهم على خلق قصة تتمثل بالألعاب التي بحوزتهم، والهدف من هذه النشاطات تطوير الرؤية البصرية للطفل، والنهوض بخياله، وآليات تعبيره الفني والفكري كطريقة مثلى لتفريغ طاقات الطفل في محتوى يعبر عن عوالمه الخاصة تعزز من خلالها ثقته بنفسه، وتنسيه واقع الحرب وتفاصيلها.

مشغل صندوق الحكايا يحيك قطعة جديدة من التراث
تأسس مشغل صندوق الحكايا في أبريل/نيسان 2018 في دمشق ويضم مجموعة فنانين مصممين، يعملون منذ سنتين على تحقيق طباعة محدودة العدد بتصاميم جديدة ترتكز على الأقمشة باستخدام أساليب الطباعة المحلية عبر القوالب الخشبية (أختام) والشاشة الحريرية.

استغرق التجهيز عامين لبدء المشروع، ففي العام الأول تم وضع دراسات وخرائط للوصول إلى التصاميم المطلوبة، وكان العمل بالغ الصعوبة لأن الطباعة القديمة كانت محصورة ضمن ثلاثة ألوان هي الأبيض والأسود والأزرق، وتم انطلاق التصاميم من شكل الحرف السوري في الأبجديات التدمرية والسريانية والآرامية، ومحاولة إعادة تشكيله بتحويرات فنية عدة تمزج بين الشكلين القديم والحديث.

يعتمد مبدأ المشغل على إحياء الصناعات التراثية السورية القديمة التي كانت معروفة محليًا، والتي بدأت تتلاشى نتيجة ظهور مهن أخرى أكثر تطورا، أو بسبب موت أصحابها. فقام فريق العمل بأخذ الآلية المعمول بها على الأختام قديماً، واستعان بزخارف الأبجديات والحلي، ومثلها بتصاميم غرافيكية بأقمشـة ذات اسـتخـدام عملي مثل: المفارش والوسائد والحقائب القماشـية والأوشـحة و غيرها، كمحاولة لربط الخيال البصري بالواقع العيني، وما هي إلا مدة وبدأ المشغل يدخل طور الإنجاز باستصدار أعمال فنية تربط الماضي السوري بحاضره.

وإلى الآن ستجد المشغل في دمشق ينضح بفنه وأعماله، مصمما على المضي قدماً غير عابئ بكل الحرب التي تجري حوله.

المصدر : الجزيرة