عملاق المسرح العراقي سامي عبد الحميد.. انتهت رحلة العطاء

سامي عبد الحميد توفي أمس عن عمر ناهز 91 عاما بعد صراع مع المرض (مواقع عراقية)
سامي عبد الحميد توفي أمس عن عمر ناهز 91 عاما بعد صراع مع المرض (مواقع عراقية)

وليد المصلح-بغداد

91 عاما أوقد فيها الكاتب والممثل والمخرج العراقي الراحل سامي عبد الحميد عشرات الشموع التي تألقت في سماء الفن والإبداع، وصدحت حناجرها فوق خشبة المسرح أزمنة طويلة، ليلتحق آخر المطاف بركب أساطين الفن والأدب ممن سبقوه إلى رحلة اللاعودة.

عميد المسرح العراقي مزج بين الموهبة وروعة الأداء، وكانت له صولات وجولات شهدت لها دور السينما والمسرح وأرّختها أعماله المتميزة، التي انفردت بطابع خاص لا يجيده إلا عمالقة الفن الكبار.

ولد الفنان الموهوب عام 1928 في مدينة السماوة (إحدى المدن القابعة على ضفاف نهر الفرات جنوبي العراق)، ذات المكانة الحضارية والتاريخية، حيث غابات النخيل وارفة الظلال، ومثوى المفكرين والشعراء منذ القدم.

رحلة عطاء
احترف التمثيل منذ صباه، فكانت المرة الأولى التي اعتلى فيها خشبة المسرح في مدينة تكريت، عندما كان طالبا في متوسطة التفيّض الأهلية آنذاك، بعد أن لعب دورا في مسرحية "البخيل" للشاعر الفرنسي موليير، ولبراعة أدائه قدمت له رواية  آلام فرتر للأديب الألماني يوهاتن غوته كهدية، واحتفظ بها لحين وفاته.

أكمل دراسته الإعدادية في مدينة الديوانية، وأكمل الحقوق في بغداد، ووالده عبد الحميد كان مديرا للمال في الحكومة العراقية، وعاش حياة التنقل والترحال بين محافظات الجنوب المختلفة بحكم طبيعة عمله وقتذاك، فقضى الشطر الأكبر من شبيبته وصباه هناك.

عبد الحميد مخرج وممثل بالفطرة، درّس العلوم المسرحية في كلية الفنون الجميلة بجامعة بغداد ردحا من الزمن، وحصل على ليسانس الحقوق وشهادة الدبلوم من الأكاديمية الملكية لفنون الدراما في لندن، والماجستير من جامعة أوركون في الولايات المتحدة.

هو من جيل الفن في خمسينيات القرن الماضي، ومن مؤسسي فرقة مسرح الفن الحديث بالعراق، مثّل وأخرج عشرات الأعمال المسرحية، إضافة إلى الأفلام السينمائية، مثل مسلسل "النسر وعيون المدينة"، وفيلم "المسألة الكبرى"، الذي يروي أحداث ثورة العشرين، وكيف تصدّى العراقيون للاحتلال الإنجليزي آنذاك.

"لا أريد أن أكون عميدا للمسرح العراقي لكنني أطمح إلى أن أكون أحد المنشطين له، ما زال يمشي بساق واحدة والأعمال التي تقدم هي هامشية". كلمات وصف بها الراحل أوضاع مسرح كان يشار له بالبنان، وهو يتوق إلى نهضة حقيقية ترتقي بالفن ومحبيه.

 آسيا كمال وصفت عبد الحميد بالشخصية الشكسبيرية التي أثرت المسرح العراقي (الصحافة العراقية)

خسارة كبيرة
ونعت مؤسسات مهنية وفنية وأكاديمية الفنان الراحل، من بينها نقابة الفنانين العراقيين والهيئة العربية للمسرح، كما نعاه الرئيس العراقي برهم صالح ورئيس الوزراء عادل عبد المهدي.

كما نعى وزير الثقافة والسياحة والآثار عبد الأمير الحمداني الفنان الراحل، وقال في بيان إن وفاته "خسارة لن تعوض".

الفنانة العراقية هند طالب تعبّر عن حزنها العميق لفقدان مدرسة من مدارس الفن المسرحي الحديث، وأب حنون يأوي إليه تلامذته ومحبوه، فهو شخصية لن تتكرر، وأكدت في حديثها للجزيرة نت أنه "كان علما من أعلام المسرح، وقدم لنا الكثير، وسنبقى محتفظين له بالعرفان، ونسير على نهجه وخطاه".

أما الفنانة آسيا كمال، فهي تتحدث عن كاريزما خاصة بسامي عبد الحميد، واصفة إياه بالشخصية الشكسبيرية التي تمكنت من إضافة الكثير للمسرح العراقي، حين تكون البلاغة تلقائية، والكلام مؤثرا يرتفي بالأسماع؛ ففي أدائه بصمة لا يمتلكها سواه.

كثيرون ممن هم في مقتبل مشوارهم الفني كانوا يتهيبون الوقوف أمام قامته الكبيرة، ويعتبرون ذلك إنجازا حتى وإن فشلوا، وهو المعلم القائل "ليس هناك دور كبير ودور صغير، بل هناك فنان كبير وفنان صغير".

من أعماله الإخراجية المسرحية البارزة "ملحمة جلجامش" و"هاملت عربيا" و"عطيل في المطبخ"، و"ثورة الزنج"، و"المفتاح"، و"بيت برناردا"، و"أنتيجوني"، وأعمال أخرى.

المخرج والفنان الراحل حصل على العديد من الجوائز المحلية والدولية، منها جائزة الإبداع من وزارة الثقافة والإعلام العراقية، وجائزة التتويج من مهرجان قرطاج، ووسام الثقافة التونسي، وجائزة أفضل ممثل في مهرجان بغداد للمسرح العربي الأول.

المصدر : الجزيرة