عـاجـل: رويترز عن بومبيو: أردوغان يتحمل مسؤولية عدم الاستقرار في المنطقة

الملاك والجاسوس.. قصة الغرام بين نتفليكس والموساد

نتفليكس تعتمد في أعمالها عن الموساد على الرواية الإسرائيلية بشكل حصري (مواقع التواصل)
نتفليكس تعتمد في أعمالها عن الموساد على الرواية الإسرائيلية بشكل حصري (مواقع التواصل)

أحمد يوسف 

عرضت شبكة نتفليكس بداية سبتمبر/أيلول الجاري مسلسل "الجاسوس"، الذي يتناول قصة الجاسوس الإسرائيلي إيلي كوهين في سوريا، ولكن لم يكن "الجاسوس" أول مسلسل تنتجه نتفليكس للاحتفاء ببطولات الموساد. 

حيث سبقه فيلم "الملاك" عن قصة حياة أشرف مروان، وفيلم خطف أيخمان، وسلسلة وثائقية أخرى عن عمليات الموساد المخابراتية، فضلا عن تصويرها كأرض الميعاد وآخر الحصون الآمنة في نهاية العالم؛ كما في فيلم "الحرب العالمية زد". 

ويعلق الصحفي الإسرائيلي إيسان شور حول إنتاجات نتفليكس المتزايدة في الفترة الماضية عن ملفات الاستخبارات الإسرائيلية قائلا "وصلت ذراعنا الطويلة إلى هوليود سابقا، والآن نتفليكس، لقد تعمقنا عام 2018، وكأن السينما والتلفزيون الأميركيين أصبحا جزءًا من مركز تراث المخابرات الإسرائيلية". 

يبدو أمرا مثيرا للتساؤل اعتماد نتفليكس على الروايات الإسرائيلية الرسمية وغير الرسمية بشكل حصري في الأعمال الثلاثة، فضلا عن تسارع إنتاج تلك النوعية من الأعمال، فتلك الثلاثية ظهرت بصورة متتابعة على نتفليكس في أقل من عامين.

قد يعتبر البعض تلك التساؤلات والتخوفات العربية هوسا مبالغا فيه، ونابعا من نقص ثقة العربي في ذاته، لكن الصحفي الإسرائيلي المعادي للصهيونية إيسان شور طرح السؤال ذاته بطريقة مغايرة، وقدم إجابة لا تختلف عن تصور أي شخص موضوعي؛ سواء كان عربيا أو يهوديا.

يقول شور "لم أعد في الصف السادس بعد الآن، ولم تعد قصص المخابرات القديمة تمنحني ذلك الحماس القديم لبطولاته العسكرية؛ لقد مرت السنوات وأنا أفهم، أو أحاول أن أفهم، أن تلك القصص التي رواها لنا الموساد لا تمثل الواقع بالضبط، بل ما هو أسوأ، إنها -وبشكل متعمد- تشوه ذلك الواقع، بل وتقدم جانبًا واحدًا فقط منه: الجانب المنتصر. من الواضح أن حكايات النصر هي أكثر إثارة للاهتمام من حكايات الهزيمة، هل سنكتفي بالدعاية المجوفة؟ بالطبع إن قصص الهزيمة لا تملك السحر ذاته، لذا هي ليست مهمة في عالمنا".

الجدير بالذكر أن ذلك الاقتباس السابق كان جزءا من مقال إيسان، الذي ينتقد فيه سياسات نتفليكس الأخيرة في تحويل جنود الموساد إلى أبطال خارقين بزي معاصر، وغض الطرف عن الجانب الآخر من الرواية العربية، بل وأدان في مقاله الأمر برمته باعتباره نوعًا من أنواع تمجيد "القتلة"، بدل تمجيد السلام، على حد وصفه.

ما تحاول نتفليكس القيام به في السنوات الأخيرة هو خلق أسطورة متخيلة حول جهاز المخابرات الإسرائيلية (الموساد) من خلال إبراز بطولاته، وتقديم أعضائه بوصفهم بديلا معاصرا للرجل العنكبوت (سبايدر مان)، على حد وصف إيسان أيضا.

وتعتمد نتفليكس في سبيل تحقيق ذلك على الرواية الإسرائيلية بشكل حصري، بما يعتريها من مغالطات تاريخية، ووقائع مشكوك في صحتها، وأحداث لا يدعم صحتها إلا رواية الموساد نفسه. 

في ذلك السياق عرض الفرنسي سيمون إيستولينان (أحد منتجي الفيلم) رأيا مغايرا عن محاولة فريق العمل مرارا التواصل مع الجهات المعنية في مصر، وأسرة أشرف مروان، وحتى محاولة إشراك ممثلين مصريين في العمل، إلا أن كل تلك المحاولات قوبلت بالرفض.

وقال إيستولينان "الاقتراب من المصريين في هذا الخصوص كان الأصعب، حاولنا التحدث مع منى عبد الناصر مرات عدة، ولكن بلا نتيجة، لم تُرد التحدث خوفًا، وقالت إن هذا يعود بالخطر عليها، وإنها لا تريد أن تعرف أي شيء عن الموضوع، وإن زوجها تسبب لها في الكثير من الأذى".

بينما لم تعلق شبكة نتفليكس بشكل رسمي على أي من الانتقادات الموجهة إليها في هذا السياق.

تاريخ "الملاك" ملفق
هذه مجموعة من الأخطاء التاريخية التي وقعت فيها أفلام تدعي امتلاكها الحقيقة وتحتكر التعبير عن الواقع:

يفتتح فيلم "الملاك" أحداثه بزيارة الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر للعاصمة البريطانية لندن، وهو أمر لم يثبت تاريخيا في أي وقت خلال حقبة الرئيس الراحل، قبل أو بعد توليه منصب رئيس الجمهورية. 

اختار صناع الفيلم علم الوحدة بين مصر وسوريا، باعتباره العلم الرسمي لمصر بعد تولي السادات سدة الحكم، وهو خطأ تاريخي آخر، حيث انتهت الوحدة بين مصر وسوريا رسميا ومعها ذلك العلم بالتبعية قبل عشر سنوات كاملة من تولي السادات منصب رئيس الجمهورية. 

كذلك ظهر العلم المصري الحالي في بعض مشاهد الفيلم، وذلك العلم لم يتم العمل به رسميا إلا عام 1984، أي بعد عشر سنوات من الفترة التي يدور حولها الفيلم. 

ظهر أحد المباني في الفيلم يحمل اسم "وزارة الدفاع المصرية"، وهو خطأ تاريخي آخر، حيث إن تلك التسمية لم يتم العمل بها رسميا إلا عام 1980، أي بعد فترة طويلة من انتهاء أحداث الفيلم، وكانت التسمية قد جاءت في سياق مبادرة السلام التي قام بها الرئيس السادات بعد الحرب، والتي كان أحد شروطها تغيير اسم وزارة الحربية المصرية إلى وزارة الدفاع.

لم تتوقف المغالطات التاريخية والاستسهال عند ذلك الحد، الأمر الذي بدأ باستخدام أسماء غير صحيحة لشخصيات تاريخية معروفة، ثم عدم دقة الكثير من الأجواء والأحداث التاريخية، يصل الأمر ذروته في الركاكة والاستسهال. 

حيث صور الفيلم "ثورة التصحيح" -التي قام بها السادات من اعتقال الحرس القديم سامي شرف وشعراوي جمعة وعلي صبري- على أنها نتيجة ملفات وقضايا فساد مالي حصل عليها أشرف مروان من على مكتب الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وهو ما يتعارض بشكل صارخ مع ما حدث بالفعل؛ من كون القضية سياسية بالدرجة الأولى، وأنها كانت خطوة استباقية قام بها السادات لتفادي عملية انقلاب كان يخطط لها الحرس القديم، ولا علاقة لأشرف مروان بالأمر. 

هذه القصة محورية في أحداث الفيلم، لأنها تمنح ثقة الرئيس السادات لأشرف مروان ليصبح هو الرجل الثاني في الدولة، وبالتالي يصبح من السهل عليه تقديم كل المعلومات التي تحتاجها إسرائيل، وكما ذكرنا أن الحبكة رديئة وغير مقنعة فنيا، ثم إنها تعارض حقائق تاريخية أخرى. 

مغالطات "الجاسوس"
المسلسل الذي تم إنتاجه مؤخرا عن إيلي كوهين لم ينج من المغالطات ذاتها، التي بدأت بأسماء شخصيات سورية بارزة مغلوطة، وعلاقات وهمية، وأدوار خرافية لإيلي كوهين، والشيء الثابت الوحيد فيها هو طريقة اعتقاله من منزله، وهو يكتب إحدى الرسائل المشفرة، وهي حقيقة تتنافى مع الأسطورة المتخيلة عنه. 

اللواء أحمد سويداني، رئيس المخابرات العسكرية الذي اعتقل بنفسه إيلي كوهين، يشير المسلسل إلى لقائه مع إيلي كوهين في الأرجنتين، لكنه لم يعين في أي يوم من تاريخه العسكري هناك. 

وادعى المسلسل أن جورج سيف (أحد الإعلاميين السوريين الذي تربطه علاقة قوية بإيلي كوهين) أصبح وزيرا للإعلام، وهو أمر لم يحدث أيضا. 

في النهاية، مسلسل "الجاسوس" لن يكون الأخير في إنتاجات نتفليكس عن ملفات المخابرات الإسرائيلية، وهناك مشاريع يتم التخطيط لها حاليا، حسب تصريحات رسمية؛ مما يعني أن هناك الكثير من المغالطات والأخطاء والتزييف المتعمد للتاريخ، التي لا تزال في جعبة الشبكة، أو الموساد.

المصدر : الجزيرة