الغرافيتي العربي.. فن التمرد على السلطة

لم يتوقف الغرافيتي السياسي عند الثورة السورية، بل امتد إلى اليمن والسودان والجزائر وغيرها (الأناضول)
لم يتوقف الغرافيتي السياسي عند الثورة السورية، بل امتد إلى اليمن والسودان والجزائر وغيرها (الأناضول)

يارا عيسى

استخدم الإنسان الرسم منذ القدم كإحدى طرق التعبير عن أفكاره وتوثيق ما يعيشه من أحداث، إذ يُرجع كثيرون فن الغرافيتي إلى العصور القديمة التي كانت الرسوم على جدرانها وسيلة أساسية للتعرف عليها من قبل المؤرخين، كالحضارات الفرعونية والإغريقية والرومانية.

أما بالنسبة للبعض الآخر، فهو مجرد شكل من أشكال التخريب، خاصة أن أغلب الرسوم تكون على جدران يستخدمها فنان مجهول الهوية دون إذن من صاحبها، وعلى أساس ذلك -ولأسباب أخرى أمنية- فإن كثيرا من الحكومات تضع هذا الفن تحت بند الجريمة التي يعاقب عليها القانون.

نشأ فنّ الغرافيتي الحديث في ستينيات القرن الماضي في الأحياء الأفريقية من نيويورك التي كانت تعاني من العنصرية وسوء الأوضاع المعيشية، بالتزامن مع انتشار موسيقى الهيب هوب، وأعلن بذلك بدء فن التمرد، وانتقلت ثورة الغرافيتي إلى البلدان العربية كمتنفس للمواطنين في ظل وجود حكومات تقيد الحريات وتنكر الحقوق.

الغرافيتي لمناهضة الاحتلال
ضجّ الشارع الفلسطيني بجدرانه التي حملت ألم القضية الفلسطينية مع بداية الانتفاضة الأولى، كوسيلة لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي عبر لوحات انتشرت في الأزقة والساحات مجّدت الشهداء والأسرى، وحثت من خلال مجموعة من الشعارات على زيادة الوعي الوطني وتسليط الضوء على جرائم الاحتلال وممارساته.

كما لعب هذا الفن دورا كبيرا في توجيه أنظار كثير من وسائل الإعلام العالمية والمعنيين بالشأن الفلسطيني إلى حقيقة ما يجري.

ومن أبرز الرسوم التي اشتهرت حينها رسوم حنظلة، وخريطة فلسطين، وقضبان السجون، والأسلاك الشائكة وغيرها كثير، كما تناقلت وسائل الإعلام المرئية العديد من الشعارات، من قبيل "فلسطين حرة عربية"، و"الحرية لأسرى الاحتلال" وغيرها.

لاحقا انتشرت في الضفة الغربية كثير من الرسومات تعبيرا عن رفض الفلسطينيين لجدار الفصل العنصري الذي أقامته سلطات الاحتلال عام 2000، لعزل الضفة الغربية عن القدس والأراضي المحتلة عام 1948، ومنذ ذلك الوقت أصبحت الضفة الغربية مقصدا لكثير من فناني الغرافيتي الذين تشاركوا العديد من اللوحات الجدارية مع سكان الضفة.

غرافيتي لبنان يؤرخ انقسامه الطائفي
أرّخ الغرافيتي في لبنان حروبه منذ عام 1975، وقد يكون الكتاب الذي نشر باللغة الفرنسية للصحافية اللبنانية ماريا شختورة "حرب الغرافيتي- لبنان 1975-1977" من أهم المراجع في تأريخ الغرافيتي، فقد تحدث عن اختلاط الشعارات السياسية بالبشاعات الأخلاقية ووثق العديد من المعارك الدائرة خلال الحرب.

فبسبب انعدام الرقابة وانتشار الفوضى تضاربت الشعارات التي تناولتها الجدران بين شعارات طائفية وعنصرية وأخرى سياسية ودعائية.

ولعل الفروق تبدو واضحة آنذاك بين منطقتي بيروت الشرقية التي كانت تطالب بإخراج الفلسطينيين من الأراضي اللبنانية وتوحيد المسيحيين، والغربية التي حملت شعارات طالبت بتوحيد راية الإسلام ونبذ العلمانية.

أما بعد انتهاء الحرب الأهلية، فقد عمدت الأحزاب والفصائل اللبنانية إلى استغلال هذا الفن بما يخدم مصالحها، فترى الآن شوارعها تمتلئ بحسب مناطق النفوذ بشعارات ورسوم تخدم مصالح الحزب المسيطر.

لكن، وإلى جانب ذلك، لعب الغرافيتي في لبنان دورا مهما أيضا في دعم قضايا الشأن المدني والوقوف في وجه السياسات العنصرية والطائفية.

جدران عديدة لثورة واحدة
لم تنجح الأنظمة العربية في ردع شعوبها ومنعهم من التعبير عن رفضهم لسياساتها القمعية والتمرد على ممارساتها التي تمثّلت بالتضييق على حرية كانت على وشك أن تصبح دفينة الاضطهاد والتهميش، ليتم خلق فضاء حر يمكن من خلاله التعبير عما لا يمكن قوله بوسائل أخرى.

بلغت النقمة الشعبية أوجها مع بداية الربيع العربي في تونس، وترافق ذلك برسم أول غرافيتي خلال اعتصامات القصبة أمام مقر الوزارة الأولى من قبل مجموعة أسمت نفسها "أهل الكهف"، ولاحقا تشكّلت مجموعات كبيرة من الشباب المهتمين بفن الغرافيتي التي عبرت عن مواقفها من قضايا اجتماعية وسياسية وحظيت بإعجاب كثير من التونسيين.

وفي مصر، وأثناء ثورة يناير، احتضنت الجدران -وتحديدا في ميدان التحرير- رسوما تسخر من رموز السلطة وتعكس هيمنة النظام حينها، فما كان من السلطات إلا أن قامت بمحو العديد من الجداريات، كان أهمها الجدارية الضخمة، التي عُنونت بـ"اللي كلف ما ماتش".

في القاهرة أيضا، أنجز الفنان الفرنسي من أصول تونسية "إل سيد" مع فريقه مشروعا بما يعرف بـ"كاليغرافيتي"، وهو مزيج من فن الغرافيتي والحروف العربية، وذلك من خلال رسم عملاق على أكثر من خمسين مبنى في حي منشية ناصر، تضمن جملة "إن أراد أحد أن يبصر نور الشمس فإن عليه أن يمسح عينيه".

وفي سوريا، بدأت أولى شرارات التمرد على النظام من عبارة كتبها أطفال على جدار مدرسة في مدينة درعا، تطورت تبعاتها إلى حالة من العصيان المدني بعد اعتقال السلطة للأطفال، وسرعان ما تحولت إلى ثورة في جميع أرجاء البلاد.

الغرافيتي السياسي لم يتوقف عند الثورة السورية، بل امتد إلى كثير من البلدان العربية، كاليمن والسودان والجزائر وغيرها، فقد دفعت سياسة تكميم الأفواه إلى بحث العربي عن طرق للتمرد على السلطة، كان الغرافيتي أحدها، وحمل على عاتقه التعبير عن هموم الناس وتطلعاتهم.

المصدر : الجزيرة