"شرق سعيد وهمج".. كيف ظهر المسلمون في لوحات المستشرقين؟

استغلت القوى الاستعمارية الغربية لوحات المستشرقين في حملاتها على ما وصفته "بالشرق السعيد" (مواقع التواصل)
استغلت القوى الاستعمارية الغربية لوحات المستشرقين في حملاتها على ما وصفته "بالشرق السعيد" (مواقع التواصل)

هند مسعد 

بينما هم يمارسون حياتهم الطبيعية ويمضون منهمكين في عاداتهم اليومية لم يخطر على بالهم أبدا أن تلك الممارسات وهذه المشاهد قد تلفت نظر الغريب العابر، وأنها ستتحول للوحات، سيبلغ سعرها بعد قرن ملايين الدولارات، وسوف تؤسس لما يعرف الآن "بالاستشراق".

فما فتئت حركة التبادل التجاري بين الدولة العثمانية والإمبراطورية البيزنطية في التوسع، حتى صال وجال مئات الرسامين في نقل حياة العرب والمسلمين في لوحاتهم إلى أن صارت إطارات اللوحات أقرب لنوافذ مفتوحة على عالم ساحر.

يبدأ من طبيعة العمارة الإسلامية وممارسات المصلين في المساجد وعاداتهم اليومية وينتهي إلى الديكورات الداخلية للبيوت وما فيها من سخاء ورخاء.

وفي حين مضى بعض الرسامين في تقديم مشاهد غير واقعية عن المشرق والمسلمين من خيالهم، ومضى آخرون في نقل مشاهد تتسم بالواقعية الشديدة، ظهر المشرق في أوروبا أشبه ببلاد العجائب التي ينعم أهلها بحياة حالمة هانئة وفي الوقت نفسه "بدائية للغاية".

وهو الأمر الذي استغلته القوى الاستعمارية الغربية لاحقا في حملاتها على ما وصفته "بالشرق السعيد"، بتصوير العرب والمسلمين كمجموعة من الهمج الذي ينعمون بخيرات لا يستحقونها في حين يتجمد الأوربيون في البرد ويموتون جوعا من القحط والفقر.

رسم المستشرق الأميركي فردريك آرثر برديجمان لوحته "بائع البرتقال" أثناء زيارته لمصر (مواقع التواصل)

وهم الحريم
يمكن القول إن إحدى أكثر اللوحات خيالية ومفارقة للواقع هي تلك التي تناولت "الحريم والجواري". فأنى للرسامين المستشرقين رؤية النساء عاريات في الحرملك ورسمهم إذا كانت تلك المساحة من المنازل حكرا على أهل المنزل فقط.

لذلك نجد أن تصوير المستشرقين للحريم والجواري في لوحات المستشرقين كان تصوير غير واقعي تماما.

ففضلا عن كونهن جميعا يجلسن عاريات في الحرملك، فإن النساء يظهرن في هيئة أوروبية تامة. الجسد الأبيض العاجي الممشوق القوام، وملامح الوجه الأوروبية لكن يزينها الشعر الأسود بدل الأصفر.

وقد كانت تلك أبرز مواصفات النساء الشرقيات في لوحات المستشرقين. كل هذا بما يُخالف تماما حتمية أن نساء العرب والمسلمين سيتمتعن لابد بملامح شرق أوسطية يغلب عليها لون البشرة الحنطي والشعر المموج والعيون العربية البنية أو السمراء.

لذلك نجد أن اللوحات التي تناولت العمارة الإسلامية، أو التي تناولت مشاهد الحياة اليومية خارج المنازل وبعيدا عن الحريم، أقرب للواقعية. ونقلت فعلا قدرا هائلا من الثقافة الإسلامية الشرقية للغرب.

ويمكن القول إن أكثر البلدان الإسلامية التي اعتمد المستشرقون من الرسامين السفر إليها كمصدر للإلهام هي مصر وتركيا وبلدان المغرب العربي.

المسجد والأذان والمصلون
ونرى في لوحة "صلاة المغرب في القاهرة"، للرسام الفرنسي جون ليون جيروم (1824-1904)، التي رُسمت عام 1865، تصويرا واقعيا لإمام يؤم مصلين على أسطح أحد منازل القاهرة. وتتبع اللوحة المدرسة الواقعية في الرسم حيث نرى تمثيلا واضحا لعناصر اللوحة أشبه بتصوير فوتوغرافي.

وقد أرفق الرحالة والأديب الفرنسي لوتي بيير (1850-1923)، تلك اللوحة مع وصفه للحالة التي يعيشها المسلمون في الصلاة في كتابه "شبح المشرق"، قائلا "من وراء الصمت، كان هناك صوت شجي للغاية. بدا كأنه يطفو فوق الصمت. كان يشدو بجلالة وعمق مثله مثل من يتخطفه الموت. فهو يكاد ينتهي ميتا من هول ما صدح إلا أنه ينتعش مجددا ويردد ما يقوله تحت القباب العالية حيث لا يكاد يختفي الصدى حتى ينتعش الصوت من جديد. كان هذا الصوت يقود الصلاة التي تضم حشدا من الرجال الذين، بدعوة مِنه، يسجون أولا نحو ركبهم بعمق. ثم يسجدون بخشوع أعمق. وأخيرا، يضربون الأرض بجباههم في حركة منتظمة على قلب رجل واحد."

بعد جيروم، تعد لوحات المستشرق الأميركي فردريك آرثر برديجمان (1847-1928) إحدى أبرز النوافذ المفتوحة على المشرق القديم التي تساعد في فهم طبيعة حياة المسلمين في تلك الفترة ونظرة المستشرقين الأجانب إلى لإسلام.

وتقدم لوحته "شارع في الجزائر"، منظورا واضحا لوضع المرأة في المجتمع الإسلامي في تلك الفترة. حيث نرى في يسار اللوحة امرأة بحجاب الرأس والوجه تتبادل أطراف الحديث مع رجل يجلس أمامها. وفي الناحية الأخرى من الشارع يجلس عدد من الرجال على مصطبة يتسامرون.

ويبدو من درجة النور وتوزيع الظلال في اللوحة أن الوقت كان قبل الغروب.  وتعطي اللوحة انطباعا بأن الجو العام هادئ ويعيش الناس في دعة وسلام، خاصة مع وجود طفل يعزف المندولين في منتصف اللوحة. وغير الجزائر، زار برديجمان مصر ورسم العديد من اللوحات الزيتية لمدن مصر.

 بيعت لوحة "بوابة الجامع الأموي الكبير في دمشق" بقرابة 2.5 مليون جنية إسترليني (مواقع التواصل)

ونرى في لوحته "بائع البرتقال"، التي رسمها أثناء زيارته لمصر، مشهدا بسيطا ودافئا في آن لصبية صغيرة، تحمل طفلا رضيعا، قد نزلت من على حمارها لشراء بعض البرتقال من بائع يجلس على قارعة الطريق. ومن اللوحة، نرى اللبس البسيط لنساء المصريات في تلك الفترة ولبس الرجال أيضا.

وكعادته، اهتم برديجمان برسم الظل والنور وتوضيح حالة الطقس. وهي العادة التي دأب عليها معظم المستشرقين الأوربيين، حيث كان الطقس الشرقي أحد مميزات المنطقة التي تناقض البرد القارس الذي عانوه.

هناك أيضا لوحة "بوابة الجامع الأموي الكبير في دمشق"، رسمت عام 1890، للمستشرق الألماني جوستاف بورنفيند (1848-1904)، وهي الأخرى إحدى أشهر لوحات المستشرقين الأجانب عن العرب والمسلمين.

وقد بيعت هذه اللوحة في دار عرض سوذبي في لندن، بسعر 2,505,250 جنيه إسترليني عام 2008. وسبب سعرها المرتفع هذا أنها مصقولة بتفاصيل كثيرة حتى تكاد تكون شاهدا على الحياة في دمشق في ذاك العصر.

وقد حاول بورنفيند إبراز التفاصيل الفنية لتكون اللوحة سجلا تاريخيا ومنظرا متوازنا في آن معا. فنرى توزيع الظل والنور مع جلسة الرجال والحمام فيما بينهم يتصدرون اللوحة، ومن خلفهم صانع سجّاد يُتمّ عمله ويبدو أنه قد حصل على مشترين. فنرى رجلين على يساره يجلسان على مصطبة ويدققون في حركة يديه في السجادة. في الخلف تماما، نرى رايات عريضة يحملها عدد من الدراويش يقفون أمام واجهة الحرم.

ونرى أن بورنفيند قد أبرز التفاصيل المعمارية للجامع وقدم صور واضحة عن أقسامه والزخارف المنقوشة على الجدران وغير ذلك من أعمال الفرس والهنود الذين شيدوه وزينوه بعد أن أمر عبد الملك بن مروان ببنائه عام 705.

ويحكي ابن بطوطة في كتابه "تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار" أن إمبراطور بيزنطة أوفد مئة فنان يوناني للمشاركة في تزينه عندما سمع به. وقد كان هذا السبب الذي لفت نظر بورنفيند للمسجد محاولا إبراز نظامه المعماري.

الشاهد، أن الاستشراق رغم كونه مفهوما حديثا فإن الشرق كان في عصور مضت أشبه ببلاد العجائب التي ظل الرسامون المستشرقون ينهلون من سحرها على مر القرون ولم يدركوه كاملا.

المصدر : الجزيرة