جورجيا أوكيفي.. الفنانة التي تكره الزهور وترسمها

أمضت جورجيا أوكيفي سنوات ترسم المناظر الطبيعية الصحراوية والزهور (مواقع التواصل)
أمضت جورجيا أوكيفي سنوات ترسم المناظر الطبيعية الصحراوية والزهور (مواقع التواصل)
رحمة حداد

في إحدى حلقات المسلسل الشهير "بريكنغ باد" يصادق الشاب جيسي تاجر المخدرات فتاة فاتنة مهتمة بالفن والوشوم، تملك ذوقا قاتما في اختيار ملابسها ذات الألوان المحايدة، وفي محاولة لها لإدخاله لعالمها تقترح عليه أن يذهبا لمتحف الفنانة جورجيا أوكيفي، وتكون الوسيلة الأمثل لإقناع شاب غير مهتم بالفن للذهاب هو أن توضح له أن معظم لوحاتها تشبه الأعضاء الحميمية الأنثوية.

جورجيا أوكيفي هي إحدى الفنانات الأكثر شهرة في تاريخ الفن، وخاصة الفن الحديث الذي يتقدمه الفنانين الرجال في الغالب، لكنها لم تلتفت أبدا للحقيقة البيولوجية المجردة لكونها أنثى، بل أمضت عمرها تصنع الفن الذي تشعر أنها تريد تقديمه للعالم.

أرادت خلق فن أميركي خالص يمكن تمييزه، فأمضت سنوات ترسم المناظر الطبيعية الصحراوية والزهور لكنها أيضا امتلكت نزعة تجريدية، لكن بشكل ما جرى اختزال أوكيفي في كونها رسامة زهور، زهور تملأ اللوحات وكأنها مرسومة تحت ميكروسكوب، مما يجعلها تشبه عناصر أخرى، وبسبب تلك الملحوظة ينظر لأوكيفي باعتبارها أيقونة نسوية فهل كانت كذلك حقا؟ 

رفضت جورجيا أوكيفي أن ترتبط بأحداث ومجتمعات متعلقة بـ "فن المرأة" (مواقع التواصل)

جورجيا أوكيفي والنسوية
كان ذلك رد أوكيفي المنفعل عندما تكررت على أسماعها أسئلة متعلقة بلوحاتها عن الزهور، وهل كانت تقصد حقا أن تبدو مثل الأعضاء الحميمة الأنثوية أم لا، ربما لم تكره جورجيا الزهور حقا، ففي مناسبة أخرى اعتبرت الزهرة كمعجزة صغيرة، وعالم متكامل قائلة "عندما تمسك زهرة في يديك وتتمعن فيها فهي عالمك للحظة، معظم سكان المدن يتسارعون لا يملكون الوقت للنظر، وأنا أريد أن أجلب لهم الزهور سواء أحبو ذلك أم لا".

"أكره الزهور، أرسمها لأنها أرخص من العارضات والعارضين، ولأنها لا تتحرك"

يمكن اعتبار ذلك واحدا من تفسيرات قليلة أعطتها جورجيا عن فنها، لكنها لم تهتم كثيرا بتحليل المعاني ولم تلتفت لكل الانطباعات الدائرة حولها ولا للتفسيرات الإيروتيكية أو النسوية لأعمالها، لكنها فضلت أن تدعها تتواصل مع متلقيها دون تدخل منها، تدخل النقاد في تفسير أعمالها وأولهم ألفريد ستيلجيتز الذي أصبح زوجها، وروج لتلك الرؤية التي ستصبح شائعة لعملها من منطلق علم النفس التحليلي ونظريات فرويد للجنسانية والعقل الباطن عام 1919.

إذن فالنظريات التي كونت سمعة أوكيفي هي من صنع الآخرين بشكل عام والرجال بشكل خاص، وكونها امتلكت مكانة تلك الأيقونة النسوية كان من صنيع المصادفة، ففي كتابها عن أوكيفي والنسوية ترى ليندا غراسو أن نسوية أوكيفي تكمن في كونها قضت معظم عمرها تخلق وتبدع الأعمال الفنية، دون وعظ أو خطب وهو ما ألهم الإبداع الذي أدى إلى الأنشطة النسوية اللاحقة.

لكنها لم تشارك بإرادتها في أي فعالية يطلق عليها نسوية، رفضت أن ترتبط بأحداث ومجتمعات متعلقة بـ"فن المرأة"، لقد كانت رافضة لفكرة اختلاف الفنانات عن الفنانين، واعتبرت أن مشوارها الفني لا يمكن ربطه بالتمييزات الجنسية، وتمنت أن تكون في عين الجمهور فنانة حداثية أو أميركية وليست فنانة امرأة.

النظريات التي كونت سمعة أوكيفي هي من صنع الآخرين بشكل عام والرجال بشكل خاص (مواقع التواصل)

تعدد أوجه الفن
لدى لوحات أوكيفي طبيعة منفتحة للغاية، تسمح بتقبل قراءات وتفسيرات متعددة، لكنها وعلى مدار سنوات عملها أثناء حياتها، وحتى بعد مماتها تختزل في كونها صور للأعضاء الأنثوية الحميمة، بقدر ما يمكن قراءة ذلك التفسير باعتباره احتفاء بطبيعة المرأة وتصوير جسدها في صورة زهور بكل ما تحمله مكنونات الزهرة ووقعها على العين من رقة وجمال.

لكن يمكن أيضا إدانته لشبهة التمييز الجنسي فيه، الترويج لزهور أوكيفي باعتبارها فن إيروتيكي أنثوي يسلبها مكانتها كفنانة متجردة من أعباء الجنس والتصنيفات، ويضعها في خانة الفنانة المرأة التي يجب أن نتوقع منها موضوعات ذات طبيعة معينة لا تخرج عنها، منها ربط الأنوثة بشكل شرطي بالنعومة في الملمس واللون.

 وهنا تكمن الطبقات التي يمكن دراستها في شخصية أوكيفي وعلاقتها بفنها، فهي لا تتملص من كونها أنثى ولكنها لا تصنع الفن لأنها أنثى، ويمتد ذلك إلى الطريقة التي تقدم بها نفسها للعالم، فجسدها ذاته ووجوده المادي وكيف تختار أن تلبسه يمكن أن يكون مدخلا لفهم رؤيتها لأنوثتها ولسماتها الأسلوبية.

النسوية والأزياء
تزوجت جوجيا أوكيفي من آدم ستيلجيتز، الذي التقط صورا لها من وجهة نظره وكيفما رآها، كامرأة جميلة ومغوية أحيانا، هشة تماما وطبيعية، خالية من البهرجة الصناعية ومن الأنوثة الموضوعة، فإذا كان هناك أي نوع من الإغواء في تلك الصور فهو نابع من كونها هي. ربما كانت تلك الصور بما فيها من أنوثة وتجرد سببا في إلباس رسوم أوكيفي للزهور دلالات أنثوية حسية، بسبب نعومتها والتفاف أوراقها، فكتب نقاد عصرها وحتى عصرنا عن فنها باعتباره فنا نسائيا وليس نسويا.

لكن بعيدا عن فنها، يمكن النظر في طريقة تقديمها لنفسها كجسد يشغل حيزا في الصور الفوتوغرافية وفي الحياة، وكيف تترجم خصائص فنها الاختزالية في أسلوب ملبسها، وهو ما يعزز إمكانية رؤيتها كأيقونة نسوية بسبب نبذها لمعايير الجمال الأنثوي السائدة، واعتمادها جماليات حادة ومختزلة، شعر مشدود للخلف، ملابس ذات ألوان محايدة وتعبير وجه هادئ مائل إلى التجهم.

لم تتعامل أوكيفي مع مفاهيم مثل النسوية بشكل مباشر، لكنها تبنتها بوعي مسبق على وجودها، خاصة مع نجاحها في مجال يسيطر عليه الرجال، فوجودها المجرد وكونها ما هي عليها أصبح إلهاما نسويا، ما فعلته هي دون كثير من التفكير وبكثير من العفوية والقوة غير المقحمة وضعها كمثال للمرأة وكأنه وصف لا يجب على الشخص تبنيه حتى يخلع عليه.

المصدر : الجزيرة