سيمون هانتاي.. فنان المفاجأة وأحد رواد التجريد الفرنسي

يعتبر الفنان الفرنسي سيمون هانتاي واحدا من رواد التجريب والتجريد الفرنسي (مواقع التواصل)
يعتبر الفنان الفرنسي سيمون هانتاي واحدا من رواد التجريب والتجريد الفرنسي (مواقع التواصل)

سارة عابدين 

المفاجأة في تعريفها اللغوي، هي الشيء الذي يحدث بشكل غير متوقع، بينما الفن هو ممارسة واعية باستخدام المهارات الفنية والخيال الإبداعي. 

يمكن أن يعتقد البعض أن المفاجأة والفن لا يمكن أن يلتقيا معا، لكن في حقيقة الأمر أن للمفاجأة وجودا كبيرا في الفن الحديث والمعاصر، خاصة مع الفنانين الذين انتهجوا مناهج التجريب الذي يقوم على تجارب مختلفة يستكشف الفنان خلالها الطريق الأقرب إليه. 

يعتبر الفنان الفرنسي سيمون هانتاي (1922-2008) واحدا من رواد التجريب والتجريد الفرنسي، ولد في المجر ودرس الفن في مدرسة بودابست للفنون الجميلة، وسافر إلى إيطاليا مشيا على الأقدام، ومنها انتقل إلى فرنسا عام 1948 وحصل على الجنسية الفرنسية عام 1966، وقضى بفرنسا أغلب حياته المهنية حتى توفى هناك. 

انضم هانتاي إلى السريالية في بداية ظهور الحركة، وكتب له أندريه بريتون منظّر السريالية الأول مقدمة دليل معرضه الأول في باريس. انفصل هانتاي عن الحركة السريالية بسبب رفض بريتون قبول أي تشابه بين السريالية وبين التجريدية التعبيرية التي أسسها الفنان الأميركي جاكسون بولوك. 

ابتكر هانتاي تقنية خاصة قائمة على طي وتجعيد القماش وسكب اللون والطلاء على الجوانب المكشوفة من القماش، مع استخدام الألوان المائية ودهانات الأكريليك، بحيث يسمح للطلاء السائل بالتجمع وإنشاء تأثيرات خاصة على القماش المطوي سلفا، فتتحول المساحات اللونية إلى ما يشبه شظايا من الألوان الشفافة على مساحات واسعة من اللون الأبيض. 

تثير اللوحات بعض الأسئلة المثيرة للاهتمام حول العملية الفنية ودور المصادفة في إنتاج العمل الفني (مواقع التواصل)

يظهر ميل هانتاي للتجريب حتى في تقنيته الخاصة التي ابتكرها، ففي بعض الأحيان يقوم بعمل طيات وتجعيدات كثيرة ويسكب بداخلها اللون، فتبدو الألوان مثل قصاصات ملونة تغزو السماء البيضاء، وأحيانا يترك اللون الأبيض مسيطرا مع القليل من الشظايا الملونة، مما يعطي إحساسا بالهدوء والصفاء. 

لذلك يبدو هناك تناقض في بعض اللوحات بين المساحات البيضاء غير المعالجة والمساحات الملونة أو المصنوعة من الورق المقصوص، التي تتلامس بشكل ما مع تجربة ماتيس المتأخرة في صنع لوحات من الورق الملون خاصة مع الألوان الحيوية اللامعة مثل الأحمر والبرتقالي والأصفر، ودرجات الأزرق السماوي التي تعطي إيحاءات احتفالية وطفولية في لوحات هانتاي. 

أهمية المصادفة في الفن
تثير لوحات هانتاي بعض الأسئلة المثيرة للاهتمام حول العملية الفنية ودور المفاجأة أو القصد في إنتاج العمل الفني، الأمر الذي يذكرنا بجاكسون بولوك، حيث استغنى كل منهما عن الطريقة التقليدية لصناعة اللوحات، واستبدل الفرشاة بعصا يصب بها أصباغه وألوانه على القماش، لكن في الوقت الذي كانت لوحات بولوك تتشكل أمامه، ويمكنه التحكم إلى حد ما في أماكن الألوان والطلاءات، كانت أعمال هانتاي قائمة بشكل كامل على المفاجأة. 

يقول هانتاي إنه لم يكن يتوقع النتيجة النهائية أثناء عمله على اللوحات، وأن الأمر كان يشكل مفاجأة له شخصيا، لأنه كان متحررا بشكل كامل من السيطرة الواعية، حيث يتخلى العقل عن حاجته إلى فرض معنى محدد سلفا على التجربة، لذلك ظهر في لوحات هانتاي تنوع كبير لأنه حاول من خلال تجربته استكشاف شيء يتجاوز حدود الذات الخاصة بالفنان، في فلسفة خاصة به يقترن فيها الجهد المبذول مع النتيجة غير المتوقعة. 

كانت أول لوحات هانتاي التي استخدم فيها طريقة الطي بعنوان "أمطار العذراء"، ربما في إشارة إلى الألوان الكثيفة المتساقطة على اللوحة التي تؤدي إلى نتائج مختلفة في الشكل والملمس في كل مرة.

لم يكن يتوقع سيمون هناتاي النتيجة النهائية أثناء عمله على اللوحات (مواقع التواصل)

حركة دعم السطح (support/surface)
ينتمي هانتاي بشكل ما إلى حركة دعم السطح، وهي واحدة من الحركات الفنية المعاصرة في فرنسا. ظهرت تلك الحركة للتشكيك في وسائل التصوير التقليدية. يجمع فنانو هذه الحركة بين البحث والتأمل النظري، وهي فكرة قائمة على استهداف المتلقي للوحة المعروضة فقط دون النظر إلى شخصية الفنان أو سيرته أو تاريخه الفني، ليبقى السطح المرسوم هو الحقيقة الوحيدة، ومن هنا جاءت حيادية الأعمال وعمقها التعبيري الكبير.

المصدر : الجزيرة